فهرس الكتاب

الصفحة 1654 من 4224

"صفحة رقم 535"

يداك يدا مجد فكف مفيدة

وكفّ إذا ما ضنّ بالمال تنفق

ويؤيد أنّ اليدين هنا بمعنى الإنعام قرينة الإنفاق . ومن نظر في كلام العرب عرف يقينًا أن بسط اليد وقبضها استعارة للجود والبخل ، وقد استعملت العرب ذلك حيث لا يكون قال الشاعر: جاد الحمى بسط اليدين بوابل

شكرت نداه تلاعه ووهاده

وقال لبيد: وغداة ريح قد وزعت وقرة

قد أصبحت بيد الشمال زمامها

ويقال: بسط اليأس كفه في صدري ، واليأس معنى لا عين وقد جعل له كفًا . قال الزمخشري: ومن لم ينظر في علم البيان عمى عن تبصر محجة الصواب في تأويل أمثال هذه الآية ، ولم يتخلص من يد الطاعن إذا عبثت به ثم قال: ( فإن قلت ) : لم ثينت اليد في بل يداه مبسوطتان وهي مفردة في يد الله مغلولة ؟ ( قلت ) : ليكون رد قولهم وإنكاره أبلغ وأدل على إثبات غاية السخاء له ونفى البخل عنه ، وذلك أن غاية ما يبذله السخي بما له من نفسه ، وأن يعطيه بيديه جميعًا ، فبنى المجاز على ذلك انتهى . وكلامه في غاية الحسن . وقيل عن ابن عباس: يداه نعمتاه ، فقيل: هما مجازان عن نعمة الدين ونعمة الدّنيا ، أو نعمة سلامة الأعضاء والحواس ونعمة الرّزق والكفاية ، أو الظاهرة والباطنة ، أو نعمة المطر ونعمة النبات ، وما ورد مما يوهم التجسيم كهذا . وقوله: ) لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ ( و ) مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا ( و ) يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ( و ) وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِى ( و ) تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا ( و ) هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ( ونحوها . فجمهور الأمة أنها تفسر على قوانين اللغة ومجاز الاستعارة وغير ذلك من أفانين الكلام .

وقال قوم منهم القاضي أبو بكر بن الطيب: هذه كلها صفات زائدة على الذات ، ثابتة لله تعالى من غير تشبيه ولا تجديد . وقال قوم منهم الشعبي ، وابن المسيب ، والثوري: نؤمن بها ونقر كما نصت ، ولا نعين تفسيرها ، ولا يسبق النظر فيها . وهذان القولان حديث من لم يمعن النظر في لسان العرب ، وهذه المسألة حججها في علم أصول الدين . وقرأ عبد الله: بسيطتان يقال: يد بسيطة مطلقة بالمعروف . في مصحف عبد الله: بسطان ، يقال: يده بسط بالمعروف وهو على فعل كما تقول: ناقة صرح ، ومشية سجح ، ينفق كيف يشاء هذا تأكيد للوصف بالسخاء ، وأنه لا ينفق إلا على ما تقتضيه مشيئته ، ولا موضع لقوله تنفق من الإعراب إذ هي جملة مستأنفة ، وقال الحوفي: يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر ، ويجوز أن يكون حالًا من الضمير في مبسوطتان انتهى . ويحتاج في هذين الإعرابين إلى أن يكون الضمير العائد على المبتدأ ، أو على ذي الحال محذوفًا التقدير: ينفق بهما . قال الحوفي: كيف سؤال عن حال ، وهي نصب بيشاء انتهى . ولا يعقل هنا كونها سؤالًا عن حال ، بل هي في معنى الشرط كما تقول: كيف تكون أكون ، ومفعول يشاء محذوف ، وجواب كيف محذوف يدل عليه ينفق المتقدم ، كما يدل في قولك: أقوم إن قام زيد على جواب الشرط والتقدير: ينفق كيف يشاء أن ينفق ينفق ، كما تقول: كيف تشاء أن أضربك أضربك ، ولا يجوز أن يعمل كيف ينفق لأن اسم بالشرط لا يعمل فيه ما قبله إلا إن كان جارًا ، فقد يعمل في بعض أسماء الشرط . ونظير ذلك قوله: )فَيَبْسُطُهُ فِى السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت