فهرس الكتاب

الصفحة 1664 من 4224

"صفحة رقم 545"

فعلًا على فعل ، كأن التقدير: أيثبتون على الكفر فلا يتوبون ، والمعنى على التعجب من انتفاء توبتهم وعدم استغفارهم ، وهم أجدر الناس بذلك ، لأن كفرهم أقبح الكفر ، وأفضح في سوء الإعتقاد ، فتعجب من كونهم لا يتوبون من هذا الجرم العظيم . وقال الفراء: هو استهفام معناه الأمر كقوله: ) فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ ). قال: إنما كان بمعنى الأمر ، لأنّ المفهوم من الصيغة طلب التوبة والحث عليها ، فمعناه: توبوا إلى الله واستغفروه من ذنبكم القولين المستحيلين انتهى . وقال ابن عطية: رفق جل وعلا بهم بتحضيضه إياهم على التوبة وطلب المغفرة انتهى . وما ذكروه من الحث والتحضيض على التوبة من حيث المعنى ، لا من حيث مدلول اللفظ ، لأن أفلا غير مدلول ألا التي للحض والحث .

( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( نبه تعالى على هذين الوصفين اللذين بهما يحصل قبول التوبة والغفران للحوبة ، والمعنى: كيف لا توجد التوبة من هذا الذنب وطلب المغفرة والمسؤول منه ذلك متصف بالغفران التام والرحمة الواسعة لهؤلاء وغيرهم ؟

المائدة: ( 75 ) ما المسيح ابن . . . . .

( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ( لما رد على النصارى قولهم الأول بقول المسيح: ) اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ ( والثاني بقوله: ) وَمَا مِنْ إِلَاهٍ إِلاَّ إِلَاهٌ واحِدٌ ( أثبت له الرسالة بصورة الحصر ، أي ما المسيح ابن مريم شيء مما تدعيه النصارى من كونه إلهًا وكونه أحد آلهة ثلاثة ، بل هو رسول من جنس الرسل الذين خلوا وتقدموا ، جاء بآيات من عند الله كما جاءوا ، فإن أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص على يده ، فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى ، وفلق البحر ، وطمس على يد موسى ، وإن خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر وأنثى . وفي قوله: إلا رسول رد على اليهود حيث ادعوا كذبه في دعوى الرسالة ، وحيث ادعوا أنه ليس لرشده . وقرأ حطان: من قبله رسل بالتنكير .

( وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ( هذا البناء من أبنية المبالغة ، والأظهر أنه من الثلاثي المجرد ، إذ بناء هذا التركيب منه سكيت وسكير ، وشريب وطبيخ ، من سكت وسكر ، وشرب وطبخ . ولا يعمل ما كان مبنيًا من الثلاثي المتعدي كما يعمل فعول وفعالومفعال ، فلا يقال: زيد شريب الماء ، كما تقول: ضراب زيدًا ، والمعنى: الإخبار عنها بكثرة الصدق . قال ابن عطية: ويحتمل أن يكون من التصديق ، وبه سمي أبو بكر الصديق . ولم يذكر الزمخشري غير أنه من التصديق . وهذا القول خلاف الظاهر من هذا البناء . قال الزمخشري: وأمه صديقة أي وما أمه لا كبعض النساء المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم ، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين: أحدهما نبي ، والآخر صحابي ، فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم ؟ مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه انتهى . وفيه تحميل لفظ القرآن ما ليس فيه ، من ذلك أن قوله: وأمه صديقة ليس فيه إلا الإخبار عنها بصفة كثرة الصدق ، وجعله هو من باب الحصر فقال: وما أمه إلا كبعض النساء المصدقات إلى آخره ، وهكذا عادته يحمل ألفاظ القرآن ما لا تدل عليه . قال الحسن: صدقت جبريل عليه السلام لما أتاها كما حكى تعالى عنها: ) وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبَّهَا وَكُتُبِهِ ). وقيل: صدقت بآيات ربها ، وبما أخبر به ولدها . وقيل: سميت بذلك لمبالغتها في صدق حالها مع الله ، وصدقها في براءتها مما رمتها به اليهود . وقيل: وصفها بصديقة لا يدل على أنها نبية ، إذ هي رتبة لا تستلزم النبوة . قال تعالى: ) فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ النَّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ ( ومن ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، ولا يلزم من تكليم الملائكة بشرًا نبوته فقد كلمت الملائكة قومًا ليسوا بأنبياء لحديث الثلاثة: الأقرع ، والأعمى ، والأبرص . فكذلك مريم .

( كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ ( هذا تنبيه على سمة الحدوث ، وتبعيد عما اعتقدته النصارى فيهما من الإلهية ، لأنّ من احتاج إلى الطعام وما يتبعه من العوارض لم يكن إلا جسمًا مركبًا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وغير ذلك ، وهو مما يدل على مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام ، ولا حاجة تدعو إلى قولهم: كانا يأكلان الطعام كناية عن خروجه ، وإن كان قد قاله جماعة من المفسرين ، وإنما ذلك تنبيه على سمات الحدوث . والحاجة إلى التغذي المفتقر إليه الحيوان في قيامه المنزه عنه الإله ، قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت