فهرس الكتاب
"صفحة رقم 269"
لدليل ، وأخبر عن الكافرين بالقول ، وهو اللفظ الجاري على اللسان ، وجعل متعلقه الجملة الاستفهامية الشاملة للاستغراق والاستبعاد والاستهزاء ، وهي قوله: ) مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ ).
وقد تقدم الكلام على أقسام ماذا ، وهي ههنا تحتمل وجهين من تلك الأقسام . أحدهما: أن تكون ما استفهامًا في موضع رفع بالابتداء ، وذا بمعنى الذي خبر عن ما . وأراد صلة لذا الموصولة والعائد محذوف ، إذ فيه شروط جواز الحذف ، والتقدير ما الذي أراده الله . والثاني: أن تكون ماذا كلها استفهامًا ، وتركيب ذا مع ما ، وتكون مفعولًا بإرادة التقدير ، أي شيء أراده الله ، وهذان الوجهان فصيحان . قال ابن عطية: واختلف النحويون في ماذا فقيل: هي بمنزلة اسم واحد بمعنى أي شيء أراد الله ، وقيل: ما اسم وذا اسم آخر بمعنى الذي ، فما في موضع رفع بالابتداء وذا خبر . انتهى كلام ابن عطية ، وظاهره اختلاف النحويين في ماذا هنا وليس كذلك ، إذ هما وجهان سائغان فصيحان في لسان العرب وليست مسألة خلاف عند النحويين ، بل كل من شدا طرفًا من علم النحو يجوز هذين الوجهين في ماذا هنا ، وكذا كل من وقفنا على كلامه من المفسرين والمعربين ذكروا الوجهين في ماذا هنا . والإرادة بالتفسير اللغوي ، وهي ميل القلب إلى الشيء ، يستحيل نسبتها إلى الله تعالى . قال بعض المفسرين: الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها وبين علمه وقدرته ولذته وألمه . وقال المتكلمون: إنها صفة تقتضي رجحان طرفي الجائز على الآخر في الإيقاع ، لا في الوقوع ، واحترز بهذا القيد الأخير من القدرة . وأهل السنة يعتقدون أن الله مريد بإرادة واحدة أزلية موجودة بذاته ، والقدرية المعتزلة والنجارية والجهمية وبعض الرافضة نفوا الصفات التي أثبتها أهل السنة ، والبهشمية والبصريون من المعتزلة يقولون بحدوث إرادة الله تعالى لا في محل ، والكرّامية تقول بحدوثها فيه تعالى ، وإنها إرادات كثيرة ، وأكثرهم زعموا مع القول بالحدوث أنه يستحيل فيها العدم ، ومنهم من قال يجوز عدمها ، وهذه المسألة يبحث فيها في أصول الدين . وانتصاب مثلًا على التمييز عند البصريين ، أي من مثل ، وأجاز بعضهم نصبه على الحال من اسم الإشارة ، أي متمثلًا به ، والعامل فيه اسم الإشارة ، وهو كقولك: لمن حمل سلاحًا رديئًا ، ماذا أردت بهذا سلاحًا ، فنصبه من وجهين: التمييز والحال من اسم الإشارة . وأجاز بعضهم أن يكون حالًا من الله تعالى ، أي متمثلًا . وأجاز الكوفيون أن يكون منصوبًا على القطع ، ومعنى هذا أنه كان يجوز أن يعرب بإعراب الاسم الذي قبله ، فإذا لم تتبعه في الإعراب وقطعته عنه نصب على القطع ، وجعلوا من ذلك .
وعالين قنوانا من البسر أحمرا
فأحمر عندهم من صفات البسر ، إلا أنه لما قطعته عن إعرابه نصبته على القطع وكان أصله من البسر الأحمر ، كذلك قالوا: ما أراد الله بهذا المثل . فلما لم يجر على إعراب هذا ، انتصب مثلًا على القطع ، وإذا قلت: عبد الله في الحمام عريانًا ، ويجيء زيد راكبًا ، فهذا ونحوه منصوب على القطع عند الكسائي . وفرق الفراء فزعم أن ما كان فيما قبله دليل عليه فهو المنصوب على القطع ، ومالًا فمنصوب على الحال ، وهذا كله عند البصريين منصوب على الحال ، ولم يثبت البصريون النصب على القطع . والاستدلال على بطلان ما ذهب إليه الكوفيون مذكور في مبسوطات النحور ، المختار انتصاب مثل على التمييز ، وجاء على معنى التوكيد لأنه من حيث أشير إليه علم أنه مثل ، فجاء التمييز بعده مؤكدًا للاسم الذي أشير إليه .
يضلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا (: جملتان مستأنفتان جاريتان مجرى البيان والتفسير للجملتين السابقتين المصدرتين بإما ، ووصف تعالى العالمين بأنه الحق ، والسائلين عنه سؤال استهزاء بالكثرة ، وإن كان قد قال تعالى: ) (: جملتان مستأنفتان جاريتان مجرى البيان والتفسير للجملتين السابقتين المصدرتين بإما ، ووصف تعالى العالمين بأنه الحق ، والسائلين عنه سؤال استهزاء بالكثرة ، وإن كان قد قال تعالى: ) وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ ( ،