فهرس الكتاب
"صفحة رقم 271"
مفرغ ، ومنع أبو البقاء أن يكون منصوبًا على الاستثناء . ويكون مفعول يضل محذوفًا تقديره: وما يضل به أحدًا إلا الفاسقين ، وليس بممتنع ، وذلك أن الاسم بعد إلا: إما أن يفرغ له العامل ، فيكون على حسب العامل نحو: ما قام إلا زيد ، وما ضربت إلا زيدًا ، وما مررت إلا بزيد ، إذا جعلت زيدًا وبزيد معمولًا للعامل قبل لا ، أو لا يفرغ . وإذا لم يفرغ ، فأما أن يكون العامل طالبًا مرفوعًا ، فلا يجوز إلا ذكره قبل إلا ، وإضماره إن كان مما يضمر ، أو منصوبًا ، أو مجرورًا ، فيجوز حذفه لأنه فضلة وإتيانه . فإن حذفته كان الاسم الذي بعد إلا منصوبًا على الاستثناء فتقول: ما ضربت إلا زيدًا ، تريد ما ضربت أحدًا إلا زيدًا ، وما مررت إلا عمرًا ، تريد ما ضربت أحدًا إلا زيدًا ، وما مررت إلا عمرًا ، قال الشاعر: نجا سالم والنفس منه بشدقه
ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا
يريد ولم ينج بشيء إلا جفن سيف ، وإن أثبته ، ولم يحذفه ، فله أحكام مذكورة . فعلى هذا الذي قد قعده النحويون يجوز في الفاسقين أن يكون معمولًا ليضل ، ويكون من الاستثناء المفرغ ، ويجوز أن يكون منصوبًا على الاستثناء ، ويكون معمول يضل قد حذف لفهم المعنى ، والفاسق هو الخارج من طاعة الله تعالى . فتارة يكون ذلك بكفر وتارة يكون بعصيان غير الكفر .
قال الزمخشري: الفاسق في الشريعة: الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة ، وهو النازل بين المنزلتين ، أي بين منزلة المؤمن والكافر . وقالوا: إن أول من حد له هذا الحد أبو حذيفة واصل بن عطاء ، رضي الله عنه وعن أشياعه . وكونه بين بين ، أي حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح ، ويوارث ، ويغسل ، ويصلي عليه ، ويدفن في مقابر المسلمين ، وهو كالكافر في الذم ، واللعن ، والبراءة منه ، واعتقاد عداوته ، وأن لا تقبل شهادته . ومذهب مالك بن أنس والزيدية أن الصلاة لا تجزي خلفه ، ويقال للخلفاء المردة من الكفار الفسقة ، وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله تعالى: ) بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الاْيمَانِ ( ، يريد اللمز والتنابز ، ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( ، انتهى كلام الزمخشري . وهو جار على مذهبه الاعتزالي ، والذي عليه سلف هذه الأمة: أن من كان مؤمنًا وفسق بمعصية دون الكفر ، فإنه فاسق بفسقه مؤمن بإيمانه ، وأنه لم يخرج بفسقه عن ازيمان ، ولا بلغ حد الكفر . وذهبت الخوارج إلى أن من عصى وأذنب ذنبًا فقد كفر بعد إيمانه . ومنهم من قال: من أذنب بعد الإيمان فقد أشرك . ومنهم من قال: كل معصية نفاق ، وإن حكم القاضي بعد التصديق أنه منافق . وذهبت المعتزلة إلى ما ذكره الزمخشري ، وذكر أن لأصل هذه المسألة سموا معتزلة ، فإنهم اعتزلوا قول الأمة فيه ، فإن الأمة كانوا على قولين ، فأحدثوا قولًا ثالثًا فسموا معتزلة لذلك ، وهذه المسألة مقررة في أصول الدين .
البقرة: ( 27 ) الذين ينقضون عهد . . . . .
( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ(: يحتمل النصب والرفع . فالنصب من وجهين: إما على الاتباع ، وإما على القطع ، أي أذم الذين . والرفع من وجهين: إما على القطع ، أي هم الذين ، وإما على الابتداء ، ويكون الخبر الجملة من قوله: ) أُولَائِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ). وعلى هذا الإعراب تكون هذه الجملة كأنها كلام مستأنف ، لا تعلق لها بما قبلها إلا على بعد ، فالأولى من هذا الإعراب الأعاريب التي ذكرناها وأولاها الاتباع ، وتكون هذه الصفة صفة ذم ، وهي لازمة ، إذ كل فاسق ينقض العهد ويقطع ما أمر الله بوصله . واختلفوا في تفسير العهد على أقوال: