فهرس الكتاب

الصفحة 183 من 4224

"صفحة رقم 280"

الطين ، قال: لأنه خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض .

وقد تقدم قبل هذا الإمتنان بجعل الأرض لنا فراشًا ، وهنا امتن بخلق ما فيها لنا وانتصب جميعًا على الحال من المخلوق ، وهي حال مؤكدة لأن لفظة ما في الأرض عام ، ومعنى جميعًا العموم . فهو مرادف من حيث المعنى للفظة كل كأنه قيل: ما في الأرض كله ، ولا تدل على الاجتماع في الزمان ، وهذا هو الفارق بين معًا وجميعًا . وقد تقدم شيء من ذلك عند الكلام على مع ، ومن زعم أن المعنى بقوله: ما في الأرض ، الأرض وما فيها ، فهو بعيد عن مدلول اللفظ ، لكنه تفسير معنى من هذا اللفظ ، ومن قوله تعالى: ) الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الاْرْضَ فِرَاشًا ( ، فانتظم من هذين الأرض وما فيها خلق الله ذلك لنا . وقال الزمخشري: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء ، كما تذكر السماء ، ويراد بها الجهات العلوية ، جاز ذلك ، فإن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية . وقال بعض المنسوبين للحقائق: خلق لكم لبعد نعمه عليكم ، فتقتضي الشكرمن نفسك لتطلب المزيد منه . وقال أبو عثمان وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمنه لك من جزيل العطاء في المعاد ، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك ، فإنه قد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وقبل التوحيد . وقال ابن عطاء: خلق لكم ليكون الكون كله لك وتكون لله فلا تشتغل بما لك عما أنت له . وقال بعض البغداديين: أنعم عليك بها ، فإن الخلق عبدة النعم لاستيلاء النعم عليهم ، فمن ظهر للحضرة أسقط عنه المنعم رؤية النعم . وقال الثوري: أعلى مقامات أهل الحقائق الانقطاع عن العلائق: والعطف بثم يقتضي التراخي في الزمان ، ولا زمان إذ ذاك ، فقيل: أشار بثم إلى التفاوت الحاصل بين خلق السماء والأرض في القدر ، وقيل: لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال من جعل الرواسي والبركة فيها وتقدير الأقوات عطف بثم ، إذ بين خلق الأرض والاستواء تراخ يدل على ذلك: ) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الاْرْضَ فِى يَوْمَيْنِ ( ، الآية . استوى أهل الحجاز على الفتح ، ونجد على الإمالة . وقرىء في السبعة بهما ،( وفي الاستواء هنا سبعة أقوال ) : أحدها: أقبل وعمد إلى خلقها وقصد من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر ، وهو استعارة من قولهم: استوى إليه كالسهم المرسل ، إذا قصده قصدًا مستويًا من غير أن يلوي على شيء ، قال معناه الفراء ، واختاره الزمخشري ، وبين ما الذي استعير منه . الثاني: علا وارتفع من غير تكييف ولا تحديد ، قاله الربيع بن أنس ، والتقدير: علا أمره وسلطانه ، واختاره الطبري . الثالث: أن يكون إلى بمعنى على ، أي استوى على السماء ، أي تفرد بملكها ولم يجعلها كالأرض ملكًا لخلقه ، ومن هذا المعنى قول الشاعر: فلما علونا واستوينا عليهم

تركناهم صرعى لنسر وكاسر

ومعنى هذا الاستيلاء كما قال الشاعر: قد استوى بشر على العراق

من غير سيف ودم مهراق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت