"صفحة رقم 16"
إلا المعصية . والظاهر بقاء الأكثر على حقيقته فقيل: وأكثرهم ، لأن منهم من قضى الله له بالإيمان . وقيل: لأن منهم من له حفظ لمراعاة الحال الحسنة من التعفف عما يثلم العرض ، ويجر أحدوثة السوء ، وأكثرهم خبثًا لأنفس خريجون في الشر لا مروءة تردعهم ، ولا طباع مرضية تزعهم ، لا يحترزون عن كذب ولا مكر ولا خديعة ، ومن كان بهذا الوصف كان مذمومًا عند الناس وفي جميع الأديان . ألا ترى إلى أهل الجاهلية وهم كفار كيف يمدحون أنفسهم بالعفاف وبالصدق وبالوفاء بالعهد وبالأخلاق الحسنة . وقيل: معنى وأكثرهم وكلهم فاسقون ، قاله ابن عطية والكرماني .
( اشْتَرَوْاْ بِئَايَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ( الظاهر عود الضمير على من قبله من المشركين المأمور بقتلهم ، ويكون المعنى: اشتروا بالقرآن وما يدعو إليه من الإسلام ثمنًا قليلًا ، وهو اتباع الشهوات والأهواء لما تركت دين الله وآثرت الكفر ، كان ذلك كالشراء والبيع . وقال مجاهد: هم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان على طعامه . وقال أبو صالح: هم قوم من اليهود ، وآيات الله التوراة . وقال ابن عباس: هم أهل الطائف كانوا يمدون الناس بالأموال يمنعونهم من الدخول في الإسلام ، فصدوا عن سبيله أي صرفوا أنفسهم عن دين الله وعدلوا عنه . والظاهر أنّ ساء هنا محولة إلى فعل . ومذهب بابها مذهب بئس ، ويجوز إقرارها على وصفها الأول ، فتكون متعدية أي: أنهم ساءهم ما كانوا يعملون ، فحذف المفهوم لفهم المعنى .
( لا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ( هذا تنبيه على الوصف الموجب للعداوة وهو الإيمان ، ولما كان قوله: ) لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ ( يتوهم أنّ ذلك مخصوص بالمخاطبين ، نبّه على علة ذلك ، وأنّ سبب المنافاة هو الإيمان ، وأولئك أي الجامعون لتلك الأوصاف الذميمة هم المعتدون المجاوزون الحد في الظلم والشر ونقض العهد .
( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَواةَ وَءاتَوُاْ الزَّكَواةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ( أي فإنْ تابوا عن الكفر ونقض العهد والتزموا أحكام الإسلام فإخوانكم ، أي: فهم إخوانكم ، والإخوان ، والإخوة جمع أخ من نسب أو دين . ومن زعم أنّ الإخوة تكون في النسب ، والإخوان في الصداقة ، فقد غلط . قال تعالى: ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ( وقال: أو بيوت إخوانكم ، وعلق حصول الأخوة في الدين على الالتباس بمجموع الثلاثة ، ويظهر أنّ مفهوم الشرط غير مراد .
( وَنُفَصّلُ الاْيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( أي نبيّنها ونوضحها . وهذه الجملة اعتراض بين الشرطين ، بين قوله: فإن تابوا ، وقوله: وإن نكثوا ، بعثًا وتحريضًا على تأمل ما فصل تعالى من الأحكام ، وقال لقوم يعلمون لأنه لا يتأمل تفصيلها إلا من كان من أهل العلم والفهم .
( وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ( أي: وإنْ نقضوا إقسامهم من بعدما تعاهدوا وتحالفوا على أنْ لا ينكثوا . وطعنوا: أي عابوه وثلبوه واستنقصوه . والطعن هنا مجاز ، وأصله الإصابة بالرمح أو العود وشبهه ، وهو هنا بمعنى العيب كما جاء في حديث إمارة أسامة:( إنْ تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبل ) أي عبتموها واستنقصتموها . والظاهر أنّ هذا الترديد في الشرطين هو في حق الكفار أصلًا ، لأنّ من أسلم ثم ارتد فيكون قوله: فقاتلوا أئمة الكفر ، أي رؤساء الكفر وزعماءه . والمعنى: فقاتلوا الكفار ، وخص الأئمة بالذكر لأنهم هم الذين يحرضون الأتباع على البقاء على الكفر . وقال الكرماني: كل كافر إما نفسه ، فالمعنى فقاتلوا كل كافر . وقيل: من أقدم على نكث العهد والطعن في الدين صار رأسًا في الكفر ، فهو من أئمة الكفر . وقال ابن عباس: أئمة الكفر زعماء قريش . وقال القرطبي: هو بعيد ، لأن الآية في سورة براءة ، وحين نزلت كان الله قد استأصل شأفة