"صفحة رقم 18"
بالرحمة .
( أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ ( ألا حرف عرض ، ومعناه هنا الحض على قتالهم . وزعموا أنها مركبة من همزة الاستفهام ، ولا النافية ، فصار فيها معنى التخصيص . وقال الزمخشري: دخلت الهمزة على تقرير على انتفاء المقاتلة ، ومعناها: الحض عليها على سبيل المبالغة . ولما أمر تعالى بقتل أهل الكفر أتبع ذلك بالسبب الذي يبعث على مقاتلتهم وهو ثلاثة أشياء جمعوها ، وكل واحد منها على انفراده كاف في الحض على مقاتلتهم . ومعنى نكثوا أيمانهم: نقض العهد . قال السدي ، وابن إسحاق ، والكلبي: نزلت في كفار مكة ، نكثوا أيمانهم بعد عهد الحديبية ، وأعانوا بني بكر على خزاعة انتهى . وهمهم هو همّ قريش بإخراج الرسول من مكة حين تشاوروا بدار الندوة ، فأذن الله في الهجرة ، فخرج بنفسه ، أو بنو بكر بإخراجه من المدينة لما أقدموا عليه من المشاورة والاجتماع ، أو اليهود ، هموا بغدر الرسول( صلى الله عليه وسلم ) ) ونقضوا عهده وأعانوا المنافقين على إخراجه من المدينة ، ثلاثة أقوال أولها للسدي . وقال الحسن: من المدينة . قال ابن عطية: وهذا مستقيم لغزوة أحد والأحزاب وغيرهما ، وهم الذين كانت منهم البداءة بالمقاتلة لأنّ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) جاءهم أولًا بالكتاب المبين وتحدّاهم به ، فعدلوا عن المعارضة لعجزهم عنها إلى القتال ، فهم البادئون ، والبادىء أظلم ، فما يمنعكم من أن تقاتلوهم بمثله تصدمونهم بالشر كما صدموكم ؟ وبخهم بترك مقاتلتهم ، وحضهم عليها ، ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها . وتقرر أنّ من كان في مثل صفاتهم من نكث العهود وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب حقيق بأنْ لا تترك مصادمته ، وأن يوبخ من فرط فيها ، قاله: الزمخشري وهو تكثير . وقال ابن عطية: أول مرة . قيل: يريد أفعالهم بمكة بالنبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) وبالمؤمنين . وقال مجاهد: ما بدأت به قريش من معونة بني بكر حلفائهم على خزاعة حلفاء النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، فكان هذا بدء النقض . وقال الطبري: يعني فعلهم يوم بدر انتهى .
وقرأ زيد بن علي: بدوكم بغير همز ، ووجهه أنه سهل الهمزة من بدأت بإبدالها ياء ، كما قالوا في قرأت: قريت ، فصار كرميت . فلما أسند الفعل إلى واو الضمير سقطت ، فصار بدوكم كما تقول: رموكم . أتخشونهم تقرير للخشية منهم ، وتوبيخ عليها . فالله أحق أن تخشوه فتقتلوا أعداءه . ولفظ الجلالة مبتدأ وخبره أحق ، وأن تخشوه بدل من الله أي: وخشية الله أحق من خشيتهم وأن تخشوه في موضع رفع ، ويجوز أن تكون في موضع نصب أو جر على الخلاف إذا حذف حرف الجر ، وتقديره: بأن تخشوه أي أحق من غيره بأن تخشوه . وجوز أبو البقاء أن يكون أن تخشوه مبتدأ ، وأحق خبره قدم عليه . وأجاز ابن عطية أن يكون أحق مبتدأ وخبره أن تخشوه ، والجملة خبر عن الأول . وحسن الابتداء بالنكرة لأنها أفعل التفضيل ، وقد أجاز سيبويه أنْ تكون المعرفة خبرًا للنكرة في نحو: اقصد رجلًا خير منه أبوه . إن كنتم مؤمنين أي كاملي الإيمان ، لأنهم كانوا مؤمنين . وقال الزمخشري: يعني أنّ قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بمن سواه كقوله تعالى: ) وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ ).
)قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( قررت الآيات قبل هذا أفعال الكفرة المقتضية لقتالهم ، والحض على القتال ، وحرم الأمر بالقتال في هذه ، وتعذيبهم بأيدي المؤمنين هو في الدنيا بالقتل والأسر والنهب ، وهذه وعود ثبتت قلوبهم وصححت نياتهم ، وخزيهم هو إهانتهم وذلهم ، وينصركم يظفركم بهم ، وشفاه الصدور بإعلاء دين الله وتعذيب الكفار وخزيهم .
وقرأ زيد بن علي: ونشف بالنون على الالتفات ، وجاء التركيب صدور قوم مؤمنين ليشمل المخاطبين وكل مؤمن ، لأن ما يصيب أهل الكفر من العذاب والخزي هو شفاء لصدر كل مؤمن . وقيل: المراد قوم معينون . قال ابن عباس: هم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا ، فلقوا من أهلها أذى شديدًا ، فبعثوا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) يشكون إليه فقال: ( أبشروا فإن الفرج قريب ) وقال مجاهد والسدي: هم خزاعة . ووجه تخصيصهم أنهم هم الذين نقض فيهم