فهرس الكتاب

الصفحة 2206 من 4224

"صفحة رقم 22"

يشعر بها . وقال تعالى: أن يكونوا من المهتدين ، أي: من الذين سبقت لهم الهداية ولم يأت التركيب أن يكونوا مهتدين ، بل جعلوا بعضًا من المهتدين ، وكونهم منهم أقل في التعظيم من أن يجرد لهم الحكم بالهداية .

( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَجَاهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ ( في صحيح مسلم من حديث النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) فقال رجل: ما أبالي أنْ لا أعمل عملًا بعد أن أسقي الحاج . وقال الآخر: ما أبالي أن لا أعمل عملًا بعد أن أعمرَ المسجد الحرام . وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم ، فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) وهو يوم الجمعة ، ولكني إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) فيما اختلفتم فيه ، فنزلت هذه الآية . وذكر ابن عطية وقوله أقوالًا آخر في سبب النزول كلها تدل على الافتخار بالسقاية والعمارة .

وقرأ الجمهور: سقاية وعمارة وهما مصدران نحو الصيانة والوقاية وقوبلا بالذوات ، فاحتيج إلى حذف من الأول أي: أهل سقاية ، أو حذف من الثاني أي: كعمل من آمن . وقرأ ابن الزبير والباقر وأبو حيوة: سقاة الحاج ، وعمرة المسجد ، جمع ساق وجمع عامر كرام ورماة وصانع وصنعة . وقرأ ابن جبير كذلك ، إلا أنه نصب المسجد على إرادة التنوين في عمرة . وقرأ الضحاك: سقاية بضم السين ، وعمرة بني الجمع على فعال كرخل ورخال ، وظئر وظؤار ، وكان المناسب أن يكون بغير هاء ، لكنه أدخل الهاء كما دخلت في حجارة . وكانت السقاية في بني هاشم وكان العباس يتولاها ، ولما نزلت هذه الآية قال العباس: ما أراني إلا أترك السقاية ، فقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( أقيموا عليها فهي لكم خير ) وعمارة المسجد هي السدانة ، وكان في بني عبد الدار ، وشيبة وعثمان بن طلحة هما اللذان دفع إليهما رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) مفتاح الكعبة في ثامن يوم الفتح بعد أن طلبه العباس وعليّ ، وقال ( صلى الله عليه وسلم ) ) لعثمان وشيبة: ( خذوها خالدة تالدة لا ينازعكما عليها إلا ظالم ) يعني السدانة . ومعنى الآية: إنكار أن يشبه المشركون بالمؤمنين وأعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة . ولما نفى المساواة بينهما أوضح بقوله: والله لا يهدي القوم الظالمين ، من الراجح منهما وأنّ الكافرين بالله هم الظالمون ظلموا أنفسهم بترك الإيمان بالله ، وبما جاء به الرسول ، وظلموا المسجد الحرام إذ جعله الله متعبدًا له فجعلوه متعبدًا لأوثانهم . وذكر في المؤمنين إثبات الهداية لهم بقوله: ) فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( وفي المشركين هنا نفى الهداية بقوله: والله يهدي القوم الظالمين .

( الَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ( زادت هذه الآية وضوحًا في الترجيح للمؤمنين المتصفين بهذه الأوصاف على المشركين المفتخرين بالسقاية والعمارة ، فطهروا أنفسهم من دنس الشرك بالإيمان ، وطهروا أبدانهم بالهجرة إلى موطن الرسول وترك ديارهم التي نشأوا عليها ، ثم بالغوا بالجهاد في سبيل الله بالمال والنفس ، المعرضين بالجهاد للتلف . فهذه الخصال أعظم درجات البشرية ، وأعظم هنا يسوغ أن تبقى على بابها من التفضيل ، ويكون ذلك على تقدير اعتقاد المشركين بأن في سقايتهم وعمارتهم فضيلة ، فخوطبوا على اعتقادهم . أو يكون التقدير أعظم درجة من الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا . وقيل: أعظم ليست على بابها ، بل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت