"صفحة رقم 25"
وهذه المواطن: وقعات بدر ، وقريظة والنضير ، والحديبية ، وخيبر ، وفتح مكة . ووصفت بالكثرة لأن أئمة التاريخ والعلماء والمغازي نقلوا أنها كانت ثمانين موطنًا . وحنين واد بين مكة والطائف قريب من ذي المجاز . وصرف مذ هو بابه مذهب المكان ، ولو ذهب به مذهب البقعة لم يصرف كما قال: نصروا نبيهم وشدّوا أزره
بحنين يوم تواكل الأبطال
وعطف الزمان على المكان . قال الزمخشري: وموطن يوم حنين أوفى أيام مواطن كثيرة ، ويوم حنين . وقال ابن عطية: ويوم عطف على موضع قوله: في مواطن ، أو على لفظه بتقدير: وفي يوم ، فحذف حرف الخفض انتهى . وإذ بدل من يوم وأضاف الإعجاب إلى جميعهم ، وإن كان صادرًا من واحد لما رأى الجمع الكثير أعجبه ذلك وقال: لن نغلب اليوم من قلة . والقائل قال ابن المسيب: هو أبو بكر ، أو سلمة بن سلامة بن قريش ، أو ابن عباس ، أو رجل من بني بكر . ونقل أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ساءه كلام هذا القائل ، ووكلوا إلى كلام الرجل .
والكثرة بفتح الكاف ، ويجمع على كثرات . وتميم تكسر الكاف ، وتجمع على كثر كشذوة وشذر ، وكسرة وكسر ، وهذه الكثرة عن ابن عباس ستة عشر ألفًا ، وعن النحاس أربعة عشر ألفًا ، وعن قتادة وابن زيد وابن إسحاق والواقدي: اثنا عشر ألفًا ، وعن مقاتل عن ابن عباس: أحد عشر ألفًا وخمسمائة . والباء في بما رحبت للحال ، وما مصدرية أي: ضاقت بكم الأرض مع كونها رحبًا واسعة لشدة الحال عليهم وصعوبتها كأنهم لا يجدون مكانًا يستصلحونه للهرب والنجاة لفرط ما لحقهم من الرعب ، فكانها ضاقت عليهم . والرحب: السعة ، وبفتح الراء الواسع . يقال: فلان رحب الصدر ، وبلد رحب ، وأرض رحبة ، وقد رحبت رحبًا ورحابة . وقرأ زيد بن علي: بما رحبت في الموضعين بسكون الحاء وهي لغة تميم ، يسكنون ضمة فعل فيقولون في ظرف ظرْف . ثم وليتم مدبرين أي: وليتم فارين على أدباركم منهزمين تاركين رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) . وأسند التولي إلى جميعهم وهو واقع من أكثرهم ، إذ ثبت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ناس من الأبطال على ما يأتي ذكره إن شاء الله ، فيقول لما افتتح رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) مكة كان في عشرة آلاف من أصحابه ، وانضاف إليه الفان من الطلقاء فصاروا اثني عشر ألفًا إلى ما انضاف إليهم من الأعراب من سليم ، وبني كلاب ، وعبس ، وذبيان ، وسمع بذلك كفار العرب فشق عليهم ، فجمعت له هوزان وألفافها وعليهم مالك بن عوف النضري ، وثقيف وعليهم عبد ياليل بن عمرو ، وانضاف إليهم أخلاط من الناس حتى كانوا ثلاثين ألفًا ، فخرج إليهم رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) بعد استعماله عتاب بن أسيد على مكة ، حتى اجتمعوا بحنين ، فلما تصاف الناس حمل المشركون من مجاني الوادي وكان قد كمنوا بها ، فانهزم المسلمون . قال قتادة: ويقال إنّ الطلقاء من أهل مكة فروا وقصدوا إلقاء الهزيمة في المسلمين ، وبلغ فلهم مكة ، وثبت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) في مركزه على بغلة شهباء تسمى دلدل لا يتخلخل ، والعباس قد اكتنفه آخذًا بلجامها ، وابن عمه أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وابنه جعفر ، وعلي بن أبي طالب ، وربيعة بن الحرث ، والفضل بن العباس ، وأسامة بن زيد ، وأيمن بن عبيد وهو أيمن ابن أم أيمن ، وقتل بين يدي الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) هؤلاء من أهل بيته ، وثبت معه أبو بكر وعمر فكانوا عشرة رجال ، ولهذا قال العباس