فهرس الكتاب

الصفحة 2321 من 4224

"صفحة رقم 137"

لما كان أحد المطلوبين التبديل بدأ به في الجواب ، ثم أتبع بأمر عام يشمل انتفاء التبديل وغيره ، ثم أتى بالسبب الحامل على ذلك وهو الخوف ، وعلقه بمطلق العصيان ، فبأدنى عصيان ترتب الخوف .

( قُل لَّوْ شَاء اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(: هذه مبالغة في التبرئة مما طلبوا منه أي: إنّ تلاوته عليهم هذا القرآن إنما هو بمشيئة الله تعالى وإحداثه أمرًا عجيبًا خارجًا عن العادات ، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم ولم يستمع ولم يشاهد العلماء ساعة من عمره ، ولا نشأ في بلدة فيها علماء فيقرأ عليكم كتابًا فصيحًا يبهر كلام كل فصيح ، ويعلو على كل منثور ومنظوم ، مشحونًا بعلوم من علوم الأصول والفروع ، وإخبار ما كان وما يكون ، ناطقًا بالغيوب التي لا يعلمها إلا الله تعالى ، وقد بلغ بين ظهرانيكم أربعين سنة تطلعون على أحواله ولا يخفي عليكم شيء من أسراره ، وما سمعتم منه حرفًا من ذلك ، ولا عرّفه به أحد من أقرب الناس إليه وألصقتم به . ومفعول شاء محذوف أي: قل لو شاء الله أن لا أتلوه ، وجاء جواب ) لَوْ( على الفصيح من عدم إتيان اللام ، لكونه منفيًا بما ، ويقال: دريت به ، وأدريت زيدًا به ، والمعنى: ولا أعلمكم به على لساني . وقرأ قنبل والبزي من طريق النقاش عن أبي ربيعة عنه: ولأدراكم بلام دخلت على فعل مثبت معطوف على منفي ، والمعنى: ولأعلمكم به من غير طريقي وعل لسان غيري ، ولكنه يمن على من يشاء من عباده ، فخصني بهذه الكرامة ورآني لها أهلًا دون الناس .

وقراءة الجمهور: ولا أدراكم به فلا مؤكدة ، وموضحة أنّ الفعل منفي لكونه معطوفًا على منفي ، وليست لا هي التي نفي الفعل بها ، لأنه لا يصح نفي الفعل بلا إذا وقع جوابًا ، والمعطوف على الجواب جواب . وأنت لا تقول: لو كان كذا لا كان كذا ، إنما يكون ما كان كذا . وقرأ ابن عباس ، وابن سيرين ، والحسن ، وأبو رجاء: ولا ادرأتكم به بهمزة ساكنة ، وخرجت هذه القراءة على وجهين: أحدهما: أن الأصل أدريتكم بالياء فقلبها همزة عل لغة من قال: لبأت بالحج ، ورثأت زوجي بأبيات ، يريد: لبيت ورثيت . وجاز هذا البدل لأنّ الألف والهمزة من واد واحد ، ولذلك إذا حركت الألف انقلبت همزة كما قالوا في العالم العألم ، وفي المشتاق المشتأق . والوجه الثاني: أن الهمزة أصل وهو من الدرء ، وهو الدفع يقال: درأته دفعته ، كما قال: )وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا الْعَذَابَ ( ودرأته جعلته دارئًا ، والمعنى: ولأجعلنكم بتلاوته خصماء تدرؤونني بالجدال وتكذبونني . وزعم أبو الفتح إنما هي أدريتكم ، فقلب الياء ألفًا لا نفتاح ما قبلها ، وهي لغة لعقيل حكاها قطرب يقولون في أعطيتك: أعطأتك . وقال أبو حاتم: قلب الحسن الياء ألفًا كما في لغة بني الحرث بن كعب السلام علاك ، قيل: ثم همز على لغة من قال في العالم العألم . وقرأ شهر بن حوشب والأعمش ، ولا أندرتكم به بالنون والذال من الإنذار ، وكذا هي في حرف ابن مسعود ، ونبّه على أنّ ذلك وحي من الله تعالى بإقامته فيهم عمرًا وهو أربعون سنة من قبل ظهور القرآن على لساني يافعًا وكهلًا ، لم تجربوني في كذب ، ولا تعاطيت شيئًا من هذا ، ولا عانيت اشتغالًا ، فكيف أتهم باختلاقه ؟ أفلا تعقلون أنّ من كان بهذه الطريقة من مكثه الأزمان الطويلة من غير تعلم ، ولا تلمذ ، ولا مطالعة كتاب ، ولا مراس جدال ، ثم أتى بما ليس يمكن أن يأتي به أحد ، ولا يكون إلا محقًا فيما أتى به مبلغًا عن ربه ما أوحى إليه وما اختصه به ؟ كما جاء في حديث هرقل: هل جربتم عليه كذبًا ؟ قال: لا فقال: لم يكن ليدع الكذب على الخلق ويكذب على الله . وأدغم ثاء لبثت أبو عمرو ، وأظهرها باقي السبعة . وقرأ الأعمش: عمرًا بإسكان الميم ، والظاهر وعود الضمير في من قبله على القرآن . وأجاز الكرماني أنْ يعود على التلاوة ، وعلى النزول ، وعلى الوقت يعني: وقت نزوله .

( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (: تقدم تفسير مثل هذا الكلام ، ومساقه هنا باعتبارين: أحدهما: أنه لما قالوا: ائت بقرآن غير هذا أو بدله ، كان في ضمنه أنهم ينسبونه إلى أنه ليس من عند الله وإنما هو اختلاق ، فبولغ في ظلم من افترى على الله كذبًا كما قال: فمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت