فهرس الكتاب

الصفحة 2324 من 4224

"صفحة رقم 140"

التعنت .

( وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِىءايَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا(: لما ذكر تعالى قوله: ) وَإِذْ تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءايَاتُنَا بَيّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ ). الآية ثم ذكر قوله: ) وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةً ( وذلك على سبيل التعنت أخبر أنّ هؤلاء إنما يصيرون لهذه المقالات عندما يكونون في رخاء من العيش وخلو بال ، وأنّ إحسان الله تعالى قابلوه بما لا يجوز من ابتغاء المكر لآياته ، وكان خليقًا بهم أن يكونوا أول من صدق بآياته . وإعراضهم عن الآيات نظير قوله: ) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَّسَّهُ ). وسبب نزولها أنه لما دعا على أهل مكة الرسول بالجدب قحطوا سبع سنين ، فأتاه أبو سفيان فقال: إدع لنا بالخصب ، فإنْ أخصبنا صدقنا ، فسأل الله لهم فسقوا ولم يؤمنوا ، وهذه وإن كانت في الكفار فهي تتناول من العاصين من لا يؤدّي شكر الله عند زوال المكروه عنه ، ولا يرتدع بذلك عن معاصيه ، وذلك في الناس كثير . تجد الإنسان يعقد عند مس الضر التوبة والتنصل من سائر المعاصي ، فإذا زال عنه رجع إلى أقبح عاداته . والرحمة هنا الغيث بعد القحط ، والأمن بعد الخوف ، والصحة بعد المرض ، والغنى بعد الفقر ، وما أشبه ذلك . ومعنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم ، ومعنى مكر في آياتنا التكذيب بالقرآن ، والشك فيه قاله الجماعة . وقال مجاهد ومقاتل: الاستهزاء والتكذيب . وقال أبو عبيدة: الرد والجحود . وحكى الماوردي النفاق لأنه إظهار الإيمان وإبطان الكفر ، وهو شبيه بما قال الزمخشري: إنّ المكر أخفى الكيد . وقال ابن عطية: والمكر الاستهزاء والطعن عليها من الكفار ، واطراح الشكر والخوف من العصاة انتهى . والإذاقة والمس هنا مجازان ، وفي هذه الجملة دليل على سرعة تقلب ابن آدم من حالة الخير إلى حالة الشر ، وذلك بلفظ أذقنا ، كأنه قيل: أول ذوقه الرحمة قبل أن يدوام استطعامها مكروه بلفظ من المشعرة بابتداء الغاية أي: ينشىء المكر إثر كشف الضراء لا يمهل ذلك . وبلفظ إذا الفجائية الواقعة جوابًا لإذا الشرطية ، أي في وقت إذاقة الرحمة فاجاؤا بالمكر . ولما كانت هذه الجملة كما قلنا تتضمن سرعة المكر منهم قيل: قل الله أسرع مكرًا فجاءت أفعل التفضيل . ومعنى وصف المكر بالأسرعية: أنه تعالى قبل أن يدبروا مكائدهم قضى بعقابكم ، وهو موقعه بكم ، واستدرجكم بإمهاله . قال ابن عطية: أسرع من سرع ، ولا يكون من أسرع يسرع ، حكى ذلك أبو علي . ولو كان من أسرع لكان شاذًا وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( في نار جهنم لهي أسود من القار ) وما حفظ من النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) فليس بشاذ انتهى . وقيل: أسرع هنا ليست للتفضيل ، وحكاية ذلك عن أبيّ على هو مذهب . وفي بناء التعجب وأفعل التفضيل من أفعل ثلاثة مذاهب: المنع مطلقًا وما ورد من ذلك فهو شاذ ، والجواز مطلقًا ، والتفصيل بين أن تكون الهمزة فيه للنقل فيمنع ، أو لغير النقل فيجوز ، نحو: أشكل الأمر وأظلم الليل ، وتقرير الصحيح من ذلك هو في علم النحو وأما تنظير أسود من القار بأسرع ففاسد ، لأن أسود ليس فعله على وزن أفعل ، وإنما هو على وزن فعل نحو سود فهو أسود ، ولم يمتنع التعجب ولا بناء أفعل التفضيل عند البصريين من نحو: سود وحمر وأدم إلاّ لكونه لونًا ، وقد أجاز ذلك بعض الكوفيين في الألوان مطلقًا ، وبعضهم في السواد والبياض فقط .

والرسل هنا الحفظة بلا خلاف . والمعنى: أن ما تظنونه خافيًا مطويًا عن الله لا يخفى عليه ، وهو منتقم منكم . وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق ، وأبو عمر: ورسلنا بالتخفيف . وقرأ الحسن ، وقتادة ، ومجاهد ، والأعرج ، ورويت عن نافع: يمكرون على الغيبة جريًا على ما سبق . وقرأ أبو رجاء ، وشيبة ، وأبو جعفر ، وابن أبي إسحاق ، وعيسى ، وطلحة ، والأعمش ، والجحدري ، وأيوب بن المتوكل ، وابن محيصن ، وشبل ، وأهل مكة ، والسبعة: بالتاء على الخطاب مبالغة لهم في الإعلام بحال مكرهم ، والتفاتًا لقوله: قل الله أي: قل لهم ، فناسب الخطاب . وفي قوله: إنّ رسلنا التفات أيضًا ، إذ لم يأت أنّ رسله . وقال أيوب بن المتوكل في مصحف أبي: يا أيها الناس إنّ الله أسرع مكرًا ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت