فهرس الكتاب
"صفحة رقم 143"
فأكرمه ، وجاءك خالد فأحسن إليه ، وكأن أداة الشرط مذكورة . وقال الزمخشري: هي بدل من ظنوا لادعائهم من لوازم ظنهم الهلاك ، فهو ملتبس به انتهى . وكان أستاذنا أبو جعفر بن الزبير يخرّج هذه الآية على غير ما ذكروا ويقول: هو جواب سؤال مقدّر ، كأنه قيل: فما كان حالهم إذ ذاك ؟ فقيل: دعوا الله مخلصين له الدين انتهى . ومعنى الإخلاص إفراده بالدعاء من غير إشراك أصنام ولا غيرها ، قال معناه: ابن عباس وابن زيد . وقال الحسن: مخلصين لا إخلاص إيمان ، لكنْ لأجعل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله ، فيكون ذلك جاريًا مجرى الإيمان الاضطراري انتهى . والاعتراف بالله مركوز في طبائع العالم ، وهم مجبولون على أنه المتصرف في الأشياء ، ولذلك إذا حقت الحقائق رجعوا إليه كلهم مؤمنهم وكافرهم ، لئن أنجيتنا ثم قسم محذوف ، وذلك القسم وما بعده محكيّ بقول أي: قائلين . أو أجرى دعوا مجرى قالوا ، لأنه نوع من القول ، والإشارة بهذه إلى الشدائد التي هم فيها . وقال الكلبي: إلى الريح العاصف .
( فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الاْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ ياأَيُّهَا أَيُّهَا النَّاسُ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الاْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ ياأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى (: قال ابن عباس: يبغون بالدعاء إلى عبادة غير الله والعمل بالمعاصي والفساد . قال الزمخشري:( فإن قلت ) : ما معنى قوله بغير الحق ، والبغي لا يكون بحق ؟ ( قلت ) : بلى وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة ، وهدم دورهم ، وإحراق زروعهم ، وقطع أشجارهم كما فعل رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ببني قريظة انتهى . وكأنه قد شرح قوله: يبغون بأنهم يفسدون ، ويبعثون مترقين في ذلك ممعنين فيه من بغي الجرح إذا ترقى للفساد انتهى . قال الزجاج: البغي الترقي في الفساد . وقال الأصمعي: بغي الجرح ترقي إلى الفساد ، وبغت المرأة فجرت انتهى . ولا يصح أن يقال في المسلمين إنهم باغون على الكفرة ، إلا إن ذكر أنّ أصل البغي هو الطلب مطلقًا ولا يتضمن الفساد ، فحينئذ ينقسم إلى طلب بحق ، وطلب بغير حق . ولما حمل ابن عطية البغي هنا على الفساد قال: أكد ذلك بقوله بغير الحق . وجواب لما إذا الفجائية وما بعدها ، ومجيء إذا وما بعدها جوابًا لها دليل على أنها حرف يترتب ما بعدها من الجواب على ما قبله من الفعل الذي بعد لمّا ، وأنها تفيد الترتب والتعليق في المضي ، وأنها كما قال سيبويه: حرف . ومذهب غيره أنها ظرف ، وقد أوضحنا ذلك فيما كتبناه في علم النحو . والجواب بإذا الفجائية دليل على أنه لم يتأخر بغيهم عن إنجائهم ، بل بنفس ما وقع الإنجاء وقع البغي ، والخطاب بيا أيها الناس ، قال الجمهور: لأهل مكة . والذي يظهر أنه خطاب لأولئك الذين أنجاهم الله وبغوا ، ويحتمل كما قالوا: العموم ، فيندرج أولئك فيهم ، وهذا ذمّ للبغي في أوجز لفظ . ومعنى على أنفسكم . وبال البغي عليكم ، ولا يجني ثمرته لا أنتم . فقوله: على أنفسكم ، خبر للمبتدأ الذي هو بغيكم ، فيتعلق بمحذوف . وعلى هذا التوجيه انتصب متاع في قراءة زيد بن علي وحفص ، وابن أبي إسحاق ، وهارون ، عن ابن كثير: على أنه مصدر في موضع الحال أي: متمتعين ، أو باقيًا على المصدرية أي: يتمتعون به متاع ، أو نصبًا على الظرف نحو: مقدم الحاج أي وقت متاع الحياة الدنيا . وكل هذه التوجيهات منقولة . والعامل في متاع إذا كان حالًا أو ظرفًا ما تعلق به خبر بعيكم أي: كائن على أنفسكم ، ولا ينتصبان ببغيكم ، لأنه مصدر قد فصل بينه وبين معموله بالخبر ، وهو غير جائز . وارتفع متاع في قراءة الجمهور على أنه خبر مبتدأ محذوف . وأجاز النحاس ، وتبعه الزمخشري ، أن يكون على أنفسكم متعلقًا بقوله: بغيكم ، كما تعلق في قوله ، فبغى عليهم ، ويكون الخبر متاع إذا رفعته . ومعنى على أنفسكم: على أمثالكم . والذين جنسكم جنسهم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا . وقرأ ابن أبي إسحاق أيضًا: متاعًا الحياة الدنيا بنصب متاع وتنوينه ، ونصب الحياة . وقال سفيان بن عيينة: في هذه الجملة تعجل لكم عقوبته في الحياة الدنيا . وقرأ فرقة: فينبئكم بالياء على