فهرس الكتاب

الصفحة 2354 من 4224

"صفحة رقم 170"

فليعنتوا فلا دليل عليه ، وأما تعليقه بقوله: قد جاءتكم ، فينبغي أن يقدر ذلك محذوفًا بعد قل ، ولا يكون متعلقًا بجاءتكم الأولى للفصل بينهما بقل . وقال الحوفي: الباء متعلقة بما دل على المعنى أي: قد جاءتكم الموعظة بفضل الله . وقيل: الفاء الأولى زائدة ، ويكون بذلك بدلًا قبله ، وأشير به إلى الاثنين الفضل والرحمة . وقيل: كررت الفاء الثانية للتوكيد ، فعلى هذا لا تكون الأولى زائدة ، ويكون أصل التركيب فبذلك ليفرحوا ، وفي القول قبله يكون أصل التركيب بذلك فليفرحوا ، ولا تنافي بين الأمر بالفرح هنا وبين النهي عنه في قوله: ) قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ( لاختلاف المتعلق ، فالمأمور به هنا الفرح بفضل الله وبرحمته ، والمنهى هناك الفرح بجمع الأموال لرئاسة الدنيا وإرادة العلو بها والفساد والأشر ، ولذلك جاء بعده: ) وَابْتَغِ فِيمَا ءاتَاكَ اللَّهُ الاْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ( وقبله: ) إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ ( وقوله: ) لَفَرِحٌ فَخُورٌ ( جاء ذلك على سبيل الذم لفرحه بإذاقة النعماء بعد الضراء ، وبأسه وكفرانه للنعماء إذا نزعت منه ، وهذه صفة مذمومة ، وليس ذلك من أفعال الآخرة . وقول من قال: إذا أطلق الفرح كان مذمومًا ، وإذا قيد لم يكن مذمومًا كما قال: ) فَرِحِينَ بِمَا ءاتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ( ليس بمطرد ، إذ جاء مقيدًا في الذم في قوله تعالى: ) حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ( وإنما يمدح الفرح ويذم بحسب متعلقه ، فإذا كان بنيل ثواب الآخرة وإعمال البر كان محمودًا ، وإذا كان بنيل لذات الدنيا وحطامها كان مذمومًا .

وقرأ عثمان بن عفان ، وأبيّ ، وأنس ، والحسن ، وأبو رجاء ، وابن هرمز ، وابن سيرين ، وأبو جعفر المدني ، والسلمي ، وقتادة ، والجحدري ، وهلال بن يساف ، والأعمش ، وعمرو بن قائد ، والعباس بن الفضل الأنصاري: فلتفرحوا بالتاء على الخطاب ، ورويت عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) . قال صاحب اللوامح: وقال وقد جاء عن يعقوب كذلك ، انتهى . وقال ابن عطية: وقرأ أبي وابن القعقاع ، وابن عامر ، والحسن: على ما زعم هارون . ورويت عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) فلتفرحوا وتجمعون بالتاء فيهما على المخاطبة ، وهي قراءة جماعة من السلف كثيرة ، وعن أكثرهم خلاف انتهى . والجمهور بالياء على أمر الغائب . وما نقله ابن عطية أن ابن عامر قرأ فلتفرحوا بالتاء ليس هو المشهور عنه ، إنما قراءته في مشهور السبعة بالياء أمرًا للغائب ، لكنه قرأ تجمعون بالتاء على الخطاب ، وباقي السبعة بالتاء على الخطاب . وفي مصحف أبي: فبذلك فافرحوا ، وهذه هي اللغة الكثيرة الشهيرة في أمر المخاطب . وأما فليفرحوا بالياء فهي لغة قليلة . وفي الحديث: ) لتأخذوا مصافكم ( وقرأ أبو التياح والحسن: فليفرحوا بكسر اللام ، ويدل على أنّ ذلك أشير به إلى واحد عود الضمير عليه موحدًا في قوله: هو خير مما يجمعون ، فالذي ينبغي أنّ قوله تعالى: بفضل الله وبرحمته ، على أنهما شيء واحد عبر عنه باسمين على سبيل التأكيد ، ولذلك أشير إليه بذلك ، وعاد الضمير عليه مفردًا . وقوله: مما يجمعون يعني من حطام الدنيا ومتاعها .

( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلًا قُلْ اللَّهِ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ(: مناسبة هذه الآية لما قبلها هي أنه لما ذكر تعالى: ) تُرْجَعُونَ ياأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ ( وكان المراد بذلك كتاب الله المشتمل على التحليل والتحريم ، بيّن فساد شرائعهم وأحكامهم من الحلال والحرام من غير مستند في ذلك إلى وحْي . وأرأيتم هنا بمعنى أخبروني . وجوزوا في ما أنزل أن تكون موصولة مفعولًا أولا لأرأيتم ، والعائد عليها محذوف ، والمفعول الثاني قوله: آلله أذن لكم ، والعائد على المبتدأ من الخبر محذوف تقديره: آلله أذن لكم فيه ، وكرر قلْ قبل الخبر على سبيل التوكيد . وأن تكون ما استفهامية منصوبة بأنزل قاله: الحوفي والزمخشري . وقيل: ما استفهامية مبتدأة ، والضمير من الخبر محذوف تقديره: آلله أذن لكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت