فهرس الكتاب
"صفحة رقم 219"
يتسافلون على المؤمنين ويدعونهم أراذل من قوله: ألا لا يجهلن أحد علينا . أو تجهلون لقاء ربكم ، أو تجهلون أنهم خير منكم ، أو وصفهم بالجهل في هذا الاقتراح ، وهو طرد المؤمنين ونحوه: من ينصرني ، استفهام معناه لا ناصر لي من عقاب الله إن طردتهم عن الخير الذي قد قبلوه ، أو لأجل إيمانهم قاله: الفراء ، وكانوا يسألونه أنْ يطردهم ليؤمنوا به أنفة منهم أن يكونوا معهم على سواء ، ثم وقفهم بقوله: أفلا تذكرون ، على النظر المؤدّي إلى صحة هذا الاحتجاج . وتقدم تفسير الجمل الثلاث في الأنعام . وتزدري تفتعل ، والدال بدل من التاء قال: ترى الرجل النحيف فتزدريه
وفي أثوابه أسد هصور
وأنشد الفراء: يباعده الصديق وتزدريه
حليلته وينهره الصغير
والعائد على الموصول محذوف أي: تزدرونهم ، أي: تستحقرهم أعينكم . ولن يؤتيهم معمول لقوله: ولا أقول ، وللذين معناه لأجل الذين . ولو كانت اللام للتبليغ لكان القياس لن يؤتيكم بكاف الخطاب ، أي: ليس احتقاركم إياهم ينقص ثوابهم عند الله ولا يبطل أجورهم ، الله أعلم بما في أنفسهم ، تسليم لله أي: لست أحكم عليهم بشيء من هذا ، وإنما الحكم بذلك لله تعالى الذي يعلم ما في أنفسهم فيجازيهم عليه . وقيل: هو رد على قولهم: اتبعك أراذلنا ، أي لست أحكم عليهم بأنْ لا يكونن لهم خير لظنكم بهم ، إن بواطنهم ليست كظواهرهم ، الله عز وجل أعلم بما في نفوسهم ، إني لو فعلت ذلك لمن الظالمين ، وهم الذين يضعون الشيء في غير مواضعه ، قد جادلتنا الظاهر المبالغة في الخصومة والمناظرة . وقال الكلبي: دعوتنا . وقيل: وعظتنا ، وقيل: أتيت بأنواع الجدال وفنونه فما صح دعواك .
وقرأ ابن عباس: فأكثرت جدلنا كقوله: ) وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلًا ( فأتنا بما تعدنا من العذاب المعجل وما بمعنى الذي ، والعائد محذوف أي بما تعدناه ، أو مصدرية ، وإنما كثرت مجادته لهم لأنه أقام فيهم ما أخبر الله به ألف سنة إلا خمسين عامًا ، وهو كل وقت يدعوهم إلى الله وهم يجيبونه بعبادتهم أصنامهم . قال: إنما يأتيكم به الله ، أي ليس ذلك إليّ إنما هو للإله الذي يعاقبكم على عصيانكم إن شاء أي: إن اقتضت حكمته أن يعجل عذابكم وأنتم في قبضته لا يمكن أن تفلتوا منه ، ولا أن تمتنعوا . ولما قالوا: قد جادلتنا ، وطلبوا تعجيل العذاب ، وكان مجادلته لهم إنما هو على سبيل النصح والإنقاذ من عذاب الله قال: ولا ينفعكم نصحي .
وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: نصحي بفتح النون ، وهو مصدر . وقراءة الجماعة بضمها ، فاحتمل أن يكون مصدرًا كالشكر ، واحتمل أن يكون اسمًا . وهذان الشرطان اعتقب الأول منهما قوله: ولا ينفعكم نصحي ، وهو دليل على جواب الشرط تقديره: إنْ أردت أن أنصح لكم فلا ينفعكم نصحي ، والشرط الثاني: اعتقب الشرط الأول وجوابه أيضًا ما دل عليه قوله: ولا ينفعكم نصحي ، تقديره: إن كان