فهرس الكتاب
"صفحة رقم 254"
المضاف لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره . والظاهر أنه أريد بالصلاة الصلاة المعهودة في تلك الشريعة . وقال الحسن: لم يبعث الله نبيًا إلى فرض عليه الصلاة والزكاة . وقيل: أريد قراءتك . وقيل: مساجدك . وقيل: دعواتك . وقرأ ابن وثاب والأخوان وحفص: أصلاتك على التوحيد . وقرأ الجمهور: أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء بالنون فيهما . وقرأ الضحاك بن قيس ، وابن أبي عبلة ، وزيد بن علي: بالتاء فيهما على الخطاب ، ورويت عن أبي عبد الرحمن . وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة: نفعل بالنون ، ما نشاء بالتاء على الخطاب ، ورويت عن ابن عباس . فمن قرأ بالنون فيهما فقوله: أو أن نفعل معطوف على قوله: ما يعبد أي: أن نترك ما يعبد آباؤنا وفعلنا في أموالنا ما نشاء . ومن قرأ بالتاء فيهما أو بالنون فيهما فمعطوف على أن نترك أي: تأمرك بترك ما يعبد آباؤنا ، وفعلك في أموالنا ما تشاء ، أو وفعلنا في أموالنا ما تشاء . وأو للتنويع أي: تأمرك مرة بهذا ، ومرة بهذا . وقيل: بمعنى الواو . والظاهر أنّ الذي كانوا يفعلونه في أموالهم هو بخس الكيل والوزن المقدّم ذكره . وقال محمد بن كعب: قرضهم الدينار والدرهم ، وإجراء ذلك مع الصحيح على جهة التدليس ، وعن ابن المسيب: قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض . وقيل: تبديل السكك التي يقصد بها أكل أموال الناس . ومن قرأ بالتاء فيهما أو في نشاء ، والظاهر أنه إيفاء المكيال والميزان . وقال سفيان الثوري: كان يأمرهم بالزكاة . وقوله: إنك لأنت الحليم الرشيد ظاهره أنه إخبار منهم عنه بهذين الوصفين الجميلين ، فيحتمل أن يريدوا بذلك الحقيقة أي: أنك للمتصف بهذين الوصفين ، فكيف وقعت في هذا الأمر من مخالفتك دين آبائنا وما كانوا عليه ، ومثلك من يمنعه حلمه ورشده عن ذلك . أو يحتمل أن يريدوا بذلك إنك لأنت الحليم الرشيد بزعمك إذ تأمرنا بما تأمر به . أو يحتمل أن قالوا ذلك على سبيل الاستهزاء والتهكم ، قاله قتادة . والمراد: نسبته إلى الطيش والعي كما تقول للشحيح: لو رآك حاتم لسجد لك ، وقالوا للحبشي: أبو البيضاء . قال: يا قوم أرأيتم إن كنت هذه مراجعة لطيفة واستنزال حسن ، واستدعاء رقيق ، ولذلك قال فيه رسول لله ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( ذلك خطيب الأنبياء ) وهذا النوع يسمى استدراج المخاطب عند أرباب علم البيان ، وهو نوع لطيف غريب المغزى يتوصل به إلى بلوغ الغرض ، وقد ورد منه في قصة إبراهيم عليه السلام مع أبيه ، وفي قصة نوح وهود وصالح ، وفي قصة مؤمن آل فرعون مع قومه .
قال الزمخشري: فإن قلت: أين جواب أرأيتم ، وما له لم يثبت كما ثبت في قصة نوح وصالح ؟ قلت: جوابه محذوف ، وإنما لم يثبت لأنّ إثباته في الصفتين دل على مكانه ، ومعنى الكلام يناوي عليه ، والمعنى أخبروني إن كنت على حجة واضحة ويقين من ربي ، وكنت نبيًا على الحقيقة ، أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن المعاصي ، والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك انتهى . وتسمية هذا جوابًا لأرأيتم ليس بالمصطلح ، بل هذه الجملة التي قدرها هي في موضع المفعول الثاني لأرأيتم ، لأنّ أرأيتم إذا ضمنت معنى أخبرني تعدت إلى مفعولين ، والغالب في الثاني أن يكون جملة استفهامية تنعقد منها ومن المفعول الأول في الأصل جملة ابتدائية كقول العرب: أرأيتك زيدًا ما صنع . وقال الحوفي: وجواب الشرط محذوف لدلالة الكلام عليه ، والتقدير: فاعدل عن ما أنا عليه من عبادته على هذه الحال . وقال ابن عطية: وجواب الشرط الذي في قوله: إن كنت على بينة من ربي محذوف تقديره: أضل كما ضللتم ، أو أترك تبليغ الرسالة ونحو هذا مما يليق بهذه المحاجة انتهى . وليس قوله: أضل جوابًا للشرط ، لأنه إن كان مثبتًا فلا يمكن أن يكون جوابًا لأنه لا يترتب على الشرط وإن كان استفهامًا حذف منه الهمزة ، فهو في موضع المفعول الثاني لأرأيتم ، وجواب الشرط محذوف تدل عليه الجملة السابقة مع متعلقها . والظاهر في قوله: رزقًا حسنًا أنه الحلال الطيب من غير بخس ولا تطفيف أدخلتموه أموالكم . قال ابن عباس: الحلال ، وكان شعيب عليه السلام كثير المال . وقيل: النبوة . وقيل: العلم . وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه المعنى: لست أريد أن أفعل الشيء الذي نهيتكم عنه من نقص الكيل والوزن واستأثر بالمال قاله: ابن عطية . وقال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه . وقال صاحب الغنيان: ما أريد أنْ أخالفكم في السرّ إلى ما أنهاكم عنه في العلانية . ويقال: خالفني فلان إلى كذا إذا