فهرس الكتاب
"صفحة رقم 288"
أي: انتحى . ومن قال: هو محذوف ، وهو رأي البصريين ، فقدره الزمخشري: فعلوا به ما فعلوا من الأذى ، وحكى الحكاية الطويلة فيما فعلوا به ، وما حاوروه وحاورهم به . قدره بعضهم: فلما ذهبوا به وأجمعوا أنْ يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم ، وقدّره بعضهم جعلوه فيها ، وهذا أولى إذ يدل عليه قوله: وأجمعوا أن يجعلوه والظاهر أنّ الضمير في وأوحينا إليه عائد على يوسف ، وهو وحي إلهام قاله مجاهد . وروي عن ابن عباس: أو منام . وقال الضحاك وقتادة: نزل عليه جبريل في البئر . وقال الحسن: أعطاه الله النبوة في الجب وكان صغيرًا ، كما أوحى إلي يحيى وعيسى عليهما السلام ، وهو ظاهر أوحينا ، ويدل على أنّ الضمير عائد على يوسف قوله لهم قال: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون . وقيل: الضمير في إليه عائد على يعقوب ، وإنما أوحي إليه ليأنس في الظلمة من الوحدة ، وليبشر بما يؤول إليه أمره ، ومعناه: للتخلص مما أنت فيه ، ولتحدثن إخوتك بما فعلوا بك . وهم لا يشعرون جملة حالية من قوله: لتنبئنهم بهذا أي: غير عالمين أنك يوسف وقت التنبئة قاله ابن جريج ، وذلك لعلو شأنك وعظمة سلطانك ، وبعد حالك عن أذهانهم ، ولطول العمر المبدل للهيئات والأشكال . وذكر أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون ، دعا بالصواغ فوضعه على يده ثم نقره فطن فقال: إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له: يوسف ، وكان يدنيه دونكم ، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيكم: أكله الذئب . وبيع بثمن بخس ، ويجوز أن يكون وهم لا يشعرون حالًا من قوله: وأوحينا أي: وهم لا يشعرون ، قاله قتادة . أي: بإيحائنا إليك وما أخبرناك به من نجاتك وطول عمرك ، إلى أن تنبئهم بما فعلوا بك . وقرأ الجمهور لتنبئنهم بتاء الخطاب ، وابن عمر بياء الغيبة ، وكذا في بعض مصاحف البصرة . وقرأ سلام بالنون .
والذي يظهر من سياق الأخبار والقصص أن يوسف كان صغيرًا ، فقيل: كان عمره إذ ذاك سبع سنين . وقيل: ست ، قاله الضحاك . وأبعد من ذهب إلى أنه اثنتا عشرة سنة ، وثمان عشرة سنة ، وكلاهما عن الحسن ، أو سبع عشرة سنة قاله ابن السائب . ويدل على أنه كان صغيرًا بحيث لا يدفع نفسه قوله: وأخاف أن يأكله الذئب ويرتع ويلعب وإنا له لحافظون ، وأخذ السيارة له ، وقول الوارد: هذا غلام ، وقول العزيز: عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا ، وما حكى من حملهم إياه واحدًا بعد واحد ، ومن كلامه لأخيه يهوذا: ارحم ضعفي وعجزي وحداثة سني ، وارحم قلب أبيك يعقوب . ومن هو ابن ثمان عشرة سنة لا يخاف عليه من الذئب ولا سيما إن كان في رفقة ، ولا يقال فيه: وإنا له لحافظون ، لأنه إذ ذاك قادر على التحيل في نجاة نفسه ، ولا يسمى غلامًا إلا بمجاز ، ولا يقال فيه: أو نتخذه ولدًا . وعشاء نصب على الظرف ، أو من العشوة والعشوة: الظلام ، فجمع على فعال مثل راع ورعاء ، ويكون انتصابه على الحال كقراءة الحسن عشا على وزن دجى ، جمع عاش ، حذف منه الهاء كما حذفت في مالك ، وأصله مالكة . وعن الحسن عشيًا على التصغير . قيل: وإنما جاؤوا عشاء ليكون أقدر على الاعتذار في الظلمة ، ولذا قيل: لا تطلب الحاجة