فهرس الكتاب
"صفحة رقم 377"
وتجلدي للشامتين أريهم
أني لريب الدهر لا أتضعضع
ولأنّ الجزع لا طائل تحته ، أو يعلم أنه لا مرد لما فات ولا لما وقع . والظاهر في معنى الوجه هنا جهة الله أي: الجهة التي تقصد عنده تعالى بالحسنات لتقع عليها المثوبة ، كما تقول: خرج زيد لوجه كذا . ونبه على هاتين الخصلتين: العبادة البدنية ، والعبادة المالية ، إذ هما عمود الدين ، والصبر عليهما أعظم صبر لتكرر الصلوات ، ولتعلق النفوس بحب تحصيل المال . ونبه على حالتي الإنفاق ، فالسر أفضل حالات إنفاق التطوع كما جاء في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها والعلانية أفضل حالات إنفاق الفروض ، لأنّ الإظهار فيها أفضل . وقال الزمخشري: مما رزقناهم من الحلال ، لأنّ الحرام لا يكون رزقًا ، ولا يسند إلى الله انتهى . وهذا على طريق المعتزلة .
وللسلف هنا في الصبر أقوال متقاربة . قال ابن عباس: صبروا على أمر الله . وقال أبو عمران الجوني: صبروا على دينهم . وقال عطاء: صبروا على الرزايا والمصائب . وقال ابن زيد: صبروا على الطاعة وعن المعصية ، ويدرؤون يدفعون . قال ابن زيد: الشر بالخير . وقال قتادة: ردوا عليهم معروفًا كقوله: ) وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَمًا ( وقال الحسن: إذا حرموا أعطوا ، وإذا ظلموا عفوا ، وإذا قطعوا وصلوا . وقال القتبي: إذا سفه عليهم حلموا ، وقال ابن جبير: يدفعون المنكر بالمعروف . وقال ابن كيسان: إذا أذنبوا تابوا ، وإذا هربوا أنابوا ليدفعوا عن أنفسهم بالتوبة معرّة الذنب ، وهذا المعنى قول ابن عباس في رواية الضحاك عنه . وقيل: يدفعون بلا إله إلا الله شركهم . وقيل: بالسلام غوائل الناس . وقيل: من رأوا منه مكروهًا بالتي هي أحسن . وقيل: بالصالح من العمل السيىء ، ويؤيده ما روي في الحديث أن معاذًا قال: أوصني يا رسول الله فقال: ) إِذَا عَمِلَتْ سَيّئَةٌ فَاعْمَلْ إِلَى ( السر بالسرّ والعلانية بالعلانية . وقيل العذاب: بالصدقة . وقيل: إذا هموا بالسيئة فكروا ورجعوا عنها واستغفروا . وهذه الأقوال كلها على سبيل المجاز . وبالجملة لا يكافئون الشر بالشر كما قال الشاعر: يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة
ومن إساءة أهل السوء إحسانًا وهذا بخلاف خلق الجاهلية كما قال:
جريء متى يظلم يعاقب بظلمه سريعًا وإن لا يبد بالظلم يظلم . وروي أنّ هذه الآية نزلت في الأنصار ، ثم هي عامة بعد ذلك في كل من اتصف بهذه الصفات . وعقبي الدار: عاقبة الدنيا ، وهي الجنة ، لأنها التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا وموضع أهلها . وجنات عدن بدل من عقبى الدار ، ويحتمل أن يراد عقبى دار الآخرة لدار الدنيا في العقبى الحسنة في الدار الآخرة هي لهم ، ويحتمل أن كون جنات خبر ابتداء محذوف . وقرأ الجمهور: جنات ، والنخعي: جنة بالإفراد . وروي عن ابن كثير ، وأبي عمرو: يدخلونها مبنيًا للمفعول . وقرأ ابن أبي عبلة: ومن صلح بضم اللام ، والجمهور بفتحها ، وهو أفصح . وقرأ عيسى الثقفي: وذريتهم بالتوحيد ، والجمهور بالجمع . وقرأ ابن يعمر: فنعم بفتح النون وكسر العين وهي الأصل ، كما قال الراجز:
نعم الساعون في اليوم الشطر