"صفحة رقم 452"
وذلك يقتضي المهادنة ، وهي منسوخة بآية السيف قاله قتادة . أو إظهار الحكم عنهم والإغضاء لهم .
ولما ذكر خلق السموات والأرض وما بينهما قال: إن ربك هو الخلاق ، أتى بصفة المبالغة لكثرة ما خلق ، أو الخلاق من شاء لما شاء من سعادة أو شقاوة . وقال الزمخشري: الخلاق الذي خلقك وخلقهم ، وهو العليم بحالك وحالهم ، فلا يخفى عليه ما يجري بينكم . أو إنّ ربك هو الذي خلقكم وعلم ما هو الأصلح لكم ، وقد علم أنّ الصفح اليوم أصلح إلى أن يكون السيف أصلح . وقرأ زيد بن علي ، والجحدري ، والأعمش ، ومالك بن دينار: هو الخالق ، وكذا في مصحف أبي وعثمان ، من المثاني .
والمثاني جمع مثناة ، والمثنى كل شيء يثني أي: يجعل اثنين من قولك: ثنيت الشيء ثنيًا أي عطفته وضممت آليه آخر ، ومنه يقال لركبتي الدابة ومر فقيه: مثاني ، لأنه يثني بالفخذ والعضد . ومثاني الوادي معاطفه . فتقول: سبعًا من المثاني مفهوم سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثني ، وهذا مجمل ، ولا سبيل إلى تعيينه إلا بدليل منفصل . قال ابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، وابن جبير: السبع هنا هي السبع الطوال: البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، والأنفال ، وبراءة ، لأنهما في حكم سورة ، ولذلك لم يفصل بينهما بالتسمية . وسميت الطوال مثاني لأنّ الحدود والفرائض والأمثال ثنيت فيها قاله ابن عباس ، وعلى قوله من لبيان الجنس . وقيل: السابعة سورة يونس قاله ابن جبير ، وقيل: براءة وحدها ، قاله أبو مالك . والمثاني على قول هؤلاء وابن عباس في قوله المتقدم: القرآن . كما قال تعالى: ) كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ ( وسمي بذلك لأنّ القصص والأخبار تثني فيه وتردّد . وقيل: السبع آل حميم ، أو سبع صحائف وهي الأسباع . وقيل: السبع هي المعاني التي أنزلت في القرآن: أمر ، ونهي ، وبشارة ، وإنذار ، وضرب أمثال ، وتعداد النعم ، وإخبار الأمم . قاله زياد بن أبي مريم . وقال عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس أيضًا ، والحسن ، وأبو العالية ، وابن أبي مليكة ، وعبيد بن عمير ، وجماعة: السبع هنا هي آيات الحمد . قال ابن عباس: وهي سبع ببسم الله الرحمن الرحيم . وقال غيره: سبع دون البسملة . وقال أبو العالية: لقد نزلت هذه السورة وما نزل من السبع الطوال شيء ، ولا ينبغي أن يعدل عن هذا القول ، بل لا يجوز العدول عنه لما في حديث أبيَ ففي آخره ،( هي السبع المثاني ) وحديث أبي هريرة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( إنها السبع المثاني وأمّ القرآن وفاتحة الكتاب ) وسميت بذلك لأنها تثني في كل ركعة . وقيل: لأنها يثني بها على الله تعالى جوزه الزجاج . قال ابن عطية: وفي هذا القول من جهة التصريف نظر انتهى . ولا نظر في ذلك ، لأنها جمع مثنى بضم الميم مفعل من أثنى رباعيًا أي: مقر ثناء على الله تعالى أي: فيها ثناء على الله تعالى . وقال ابن عباس: لأن الله استثناها لهذه الأمة ولم يعطها لغيرها ، وقال نحوه ابن أبي مليكة . وعلى هذا التفسير الوارد في الحديث تكون من لبيان الجنس ، كأنه قيل: التي هي المثاني ، وكذا في قول من جعلها أسباع القرآن ، أو سبع المعاني . وأما من جعلها السبع الطوال أو آل حميم فمن للتبعيض ، وكذا في قول من جعل سبعًا الفاتحة والمثاني القرآن . قال الزمخشري: يجوز أن تكون كتب الله كلها مثاني ، لأنها تثني عليه ، ولما فيها من المواعظ المكررة ، ويكون القرآن بعضها .
وقرأ الجمهور: والقرآن العظيم بالنصب . فإن عني بالسبع الفاتحة أو السبع الطوال لكان ذلك من عطف العام على الخاص ، وصار الخاص مذكورًا مرتين . إحداهما: بجهة الخصوص ، والأخرى: بجهة العموم . أو لأنّ ما دون الفاتحة أو السبع الطوال ينطلق عليه لفظ القرآن ، إذ هو اسم يقع على بعض الشيء ، كما يقع على كله . وإنْ عنى الإسباع فهو من باب عطف الشيء على نفسه ، من حيث أنّ المعنى: ولقد آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم أي: الجامع لهذين المعنيين وهو الثناء والتنبيه والعظم . وقرأت فرقة: والقرآن العظيم بالخفض عطفًا على المثاني . وأبعد من ذهب إلى أنّ الواو مقحمة ، والتقدير: سبعًا من المثاني القرآن العظيم . ولما ذكر تعالى ما أنعم به على رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) ) من إتيانه ما آتاه ، نهاه . وقد قلنا: إنّ النهي لا يقتضي الملابسة ولا المقاربة عن طموح عينه إلى شيء من متاع الدنيا ، وهذا وإن كان خطابًا للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) فالمعنى: نهى أمته عن ذلك لأنّ من أوتي القرآن شغله النظر فيه وامتثال تكاليفه وفهم معانيه عن