فهرس الكتاب

الصفحة 2652 من 4224

"صفحة رقم 468"

( قلت ) : حين جعلوا غير الله مثل الله في تسميته باسمه والعبادة له ، وسووا بينه وبينه ، فقد جعلوا الله من جنس المخلوقات وشبيهًا بها ، فأنكر عليهم ذلك بقوله: أفمن يخلق كمن لا يخلق ، ثم وبخهم بقوله: أفلا تذكرون ، أي: مثل هذا لا ينبغي أن تقع فيه الغفلة . والنعمة يراد بها النعم لا نعمة واحدة ، يدل على ذلك قوله تعالى: ) وَإِن تَعُدُّواْ ( وقوله: ) لاَ تُحْصُوهَا ( إذ ينتفي العدو الإحصاء في الواحدة ، والمعنى: لا تحصوا عدها ، لأنها لكثرتها خرجت عن إحصائكم لها ، وانتفاء إحصائها يقتضي انتفاء القيام بحقها من الشكر . ولما ذكر نعمًا سابقة أخبر أنّ جميع نعمه لا يطيقون عدها . وأتبع ذلك بقوله: إن الله لغفور رحيم ، حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر النعم ، ولا يقطعها عنكم لتفريطكم ، ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها . ولما كان الإنسان غير قادر على أداء شكر النعم ، وأن له حالة يعرض فيها منه كفرانها قال في عقب الآية التي في إبراهيم: ) إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ( أي لظلوم بترك الشكر كفار للنعمة . وفي هذه الآية ذكر الغفران والرحمة لطفًا به ، وإيذانًا في التجاوز عنه . وأخبر تعالى أنه يعلم ما يسرون ، وضمنه الوعيد لهم ، والإخبار بعلمه تعالى . وفيه التنبيه على نفي هذه الصفة الشريفة عن آلهتهم .

وقرأ الجمهور: بالتاء من فوق في تسرون وتعلنون وتدعون ، وهي قراءة: مجاهد ، والأعرج ، وشيبة ، وأبي جعفر ، وهبيرة ، عن عاصم على معنى: قل لهم . وقرأ عاصم في مشهورة: يدعون بالياء من تحت ، وبالتاء في السابقتين . وقرأ الأعمش وأصحاب عبد الله: يعلم الذي يبدون وما يكتمون ، وتدعون بالتاء من فوق في الثلاثة . وقرأ طلحة: ما يخفون وما يعلنون ، وتدعون بالتاء من فوق ، وهاتان القراءتان مخالفتان لسواد المصحف ، والمشهور ما روي عن الأعمش وغيره ، فوجب حملها على التفسير ، لا على أنها قرآن . ولما أظهر تعالى التباين بين الخالق وغيره ، نص على أنّ آلهتهم لا تخلق ، وعلى أنها مخلوقة . وأخبر أنهم أموات . وأكد ذلك بقوله: غير أحياء ، ثم نفى عنهم الشعور الذي يكون للبهائم ، فضلًا عن العلم الذي تتصف به العقلاء . وعبر بالذين وهو للعاقل عومل غيره معاملته ، لكونها عبدت واعتقدت فيها الألوهية ، وقرأ محمد اليماني: يدعون بضم الياء وفتح العين مبنيًا للمفعول ، والظاهر أنّ قوله: وهم يخلقون ، أي: الله أنشأهم واخترعهم . وقال الزمخشري: ووجه آخر وهو أن يكون المعنى: أن الناس يخلقونهم بالنحت والتصوير ، وهم لا يقدرون على ذلك فهم أعجز من عبدتهم انتهى . وأموات خبر مبتدأ محذوف أي: هم أموات . ويجوز أن يكون خبرًا بعد خبر . والظاهر أن هذه كلها مما حدث به عن الأصنام ، ويكون بعثهم إعادتها بعد فنائها . ألا ترى إلى قوله تعالى: )إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ). وقيل: معنى بعثها إثارتها ، كما تقول: بعثت النائم من نومه إذ نبهته ، كأنه وصفهم بغاية الجمود أي: وإن طلبتهم بالتحريك أو حركتهم لم يشعروا بذلك ، ونفى عنهم الحياة لأنّ من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطق التي ينشئها الله حيوانًا ، وأجساد الحيوان التي تبعث بعد موتها . وأما الأصنام من الحجارة والخشب فأموات لا يعقب موتها حياة ، وذلك أعرق في موتها . وقيل: والذين تدعون ، هم الملائكة ، وكان ناس من الكفار يعبدونهم . وأموت أي: لا بد لهم من الموت ، وغير أحياء أي: غير باق حياتهم ، وما يشعرون أي: لا علم لهم بوقت بعثهم . وجوزوا في قراءة: والذين يدعون ، بالياء من تحت أن يكون قوله: أو موت ، يراد به الكفار الذين ضميرهم في: يدعون ، شبههم بالأموات غير الأحياء من حيث هم ضلال . غير مهتدين وما بعده عائد عليهم ، والبعث الحشر من قبورهم . وقيل: في هذا التقدير وعيد أي: أيان يبعثون إلى التعذيب . وقيل: الضمير في وما يشعرون ، للأصنام وفي: يبعثون ، لعبدتها . أي: لا تشعر الأصنام متى تبعث عبدتها . وفيه تهكم بالمشركين ، وأنّ آلهتهم لا يعلمون وقت بعث عبدتهم ، فكيف يكون لهم وقت جزاء على عبادتهم . وتلخص من هذه الأقوال أن تكون الإخبار بتلك الجمل كلها من المدعوين آلهة ، أما الأصنام ، وأما الملائكة ، أو يكون من قوله: أموات إلى آخره ( سقط: إخبارا عن الكفار ، أيكون وما يشعرون أيان يبعثون فقط إخبارا عن الكفار ، أو يكون وما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت