فهرس الكتاب
"صفحة رقم 474"
جعل ماذا منصوبة ، لاختلافهما في الإعراب ، وإن كان الاختلاف جائزًا كما ذكرنا . وروي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام المواسم من يأتيهم بخير النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، فإذا جاء الوفد كفه المقتسمون وأمره بالانصراف وقالوا: إنْ لم تلقه كان خيرًا لك فيقول: أنا شر وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ) وأراه ، فيلقى أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) فيخبرونه بصدقه ، وأنه نبي مبعوث ، فهم الذين قالوا خيرًا . والظاهر أن قوله: للذين ، مندرج تحت القول ، وهو تفسير للخير الذي أنزل الله في الوحي: أنّ من أحسن في الدنيا بالطاعة فله حسنة في الدنيا ونعيم في الآخرة بدخول الجنة . وقال الزمخشري: للذين أحسنوا وما بعده بدل من خير ، حكاية لقول الذين اتقوا أي: قالوا هذا القول ، فقدم عليه تسميته خيرًا ثم خكاه انتهى . وقالت فرقة: هو ابتداء كلام من الله تعالى ، مقطوع مما قبله ، وهو بالمعنى وعد متصل بذكر إحسان المتقين في مقالتهم . ومعنى حسنة مكافأة في الدنيا بإحسانهم ، ولهم في الآخرة ما هو خير منها . ولما ذكر حال الكفار في الدنيا والآخرة ذكر حال المؤمنين في الدارين ، والظاهر أنّ المخصوص بالمدح هو جنات عدن . وقال الزمخشري: ولنعم دار المتقين دار الآخرة ، فحذف المخصص بالمدح لتقدم ذكره ، وجنات عدن خبر مبتدأ محذوف انتهى . وقاله ابن عطية: وقبلهما الزجاج وابن الأنباري ، وجوزوا أن يكون جنات عدن مبتدأ ، والخبر يدخلونها . وقرأ زيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن جنات عدن بالنصب على الاشتغال أي: يدخلون جنات عدن يدخلونها ، وهذه القراءة تقوي إعراب جنات عدن بالرفع أنه مبتدأ ، ويدخلونها الخبر . وقرأ زيد بن علي: ولنعمت دار ، بتاء مضمومة ، ودار مخفوض بالإضافة ، فيكون نعمت مبتدأ وجنات الخبر . وقرأ السلمي: تدخلونها بتاء الخطاب . وقرأ إسماعيل بن جعفر عن نافع: يدخلونها بياء على الغيبة ، والفعل مبني للمفعول ، ورويت عن أبي جعفر وشيبة: تجري . قال ابن عطية: في موضع الحال ، وقال الحوفي: في موضع نعت لجنات انتهى . فكان ابن عطية لحظ كون جنات عدن معرفة ، والحوفي لحظ كونها نكرة ، وذلك على الخلاف في عدن هل هي علم ؟ أو نكرة بمعنى إقامة ؟ والكاف في موضع نصب نعتًا لمصدر محذوف أي: جزاء مثل جزاء الذين أحسنوا يجزي ، وطيبين حال من مفعول تتوفاهم ، والمعنى: أنهم صالحوا الأحوال مستعدّون للموت والطيب الذي لا خبث فيه ، ومنه: ) طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ).
وقال أبو معاذ: طيبين طاهرين من الشكر بالكلمة الطيبة . وقيل: طيبين سهلة وفاتهم لا صعوبة فيها ولا ألم ، بخلاف ما يقبض روح الكافر والمخلط . وقيل: طيبة نفوسهم بالرجوع إلى الله تعالى ، وقيل: زاكية أفعالهم وأقوالهم ، وقيل: صالحين ، وقال الزمخشري: طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي ، لأنه في مقابلة ظالمي أنفسهم . ويقولون نصب على الحال من الملائكة ، وتسليم الملائكة عليهم بشارة من الله تعالى ، وفي هذا المعنى أحاديث صحاح . وقوله: هدى للمتقين ، هو وقت قبض أرواحهم ، قاله: ابن مسعود ، ومحمد بن كعب ، ومجاهد . والأكثرون جعلوا التبشير بالجنة دخولًا مجازًا . وقال مقاتل والحسن: عند دخول الجنة وهو قول خزنة الجنة لهم في الآخرة: سلام عليكم بما صبرتم ، فنعم عقبى الدار . فعلى هذا القول يكون يقولون حالًا مقدرة ، ولا يكون القول وقت التوفي . وعلى هذا يحتمل أن يكون الذين مبتدأ ، والخبر يقولون ، والمعنى: يقولون لهم سلام عليكم . ويدل لهذا القول قولهم: ادخلوا الجنة ، ووقت الموت لا يقال لهم ادخلوا الجنة ، فالتوفي هنا توفي الملائكة لهم وقت الحشر . وقوله: بما كنتم تعملون ظاهره في دخول الجنة بالعمل الصالح .
( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلاكِن (: مناسبة هذه الآية لما قلبها أنه تعالى لما ذكر طعن الكفار في القرآن بقولهم: أساطير الأولين ، ثم أتبع ذلك بوعيدهم