فهرس الكتاب
"صفحة رقم 477"
الإيجاد ابتداء وجب أن يكون قادرًا على الإعادة . وتقدم تفسير قوله تعالى: كن فيكون في البقرة ، فأغنى عن إعادته . والظاهر أن اللام في لشيء وفي له للتبليغ ، كقولك: قلت لزيد قم . وقال الزجاج: هي لام السبب أي: لأجل إيجاد شيء ، وكذلك له أي لأجله . قال ابن عطية: وما في ألفاظ هذه الآية من معنى الاستقبال والاستئناف إنما هو راجع إلى المراد ، لا إلى الإرادة . وذلك أنّ الأشياء المرادة المكونة في وجودها استئناف واستقبال ، لا في إرادة ذلك ، ولا في الأمر به ، لأن ذينك قديمان . فمن أجل المراد عبر بإذا ، ونقول: وأما قوله لشيء فيحتمل وجهين: أحدهما: أنه لما كان وجوده حتمًا جاز أن يسمى شيئًا وهو في حالة عدم . والثاني: أن قوله لشيء تنبيه على الأمثلة التي ينظر فيها ، وأنّ ما كان منها موجودًا كان مرادًا ، وقيل له: كن فكان ، فصار مثالًا لما يتأخر من الأمور بما تقدّم ، وفي هذا مخلص من تسمية المعدوم شيئًا انتهى . وفيه بعض تلخيص . وقال: إذا أردناه منزل منزلة مراد ، ولكنه أتى بهذه الألفاظ المستأنفة بحسب أنّ الموجودات تجيء وتظهر شيئًا بعد شيء ، فكأنه قال: إذا ظهر المراد فيه . وعلى هذا الوجه يخرج قوله: ) فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ( وقوله: ) لِيَعْلَمَ الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا ( ونحو هذا معناه يقع منكم ما أراد الله تعالى في الأزل وعلمه ، وقوله: أن نقول ، ينزل منزلة المصدر كأنه قال قولنا ، ولكن أن مع الفعل تعطى استئنافًا ليس في الصدر في أغلب أمرها ، وقد تجيء في مواضع لا يلحظ فيها الزمن كهذه الآية . وكقوله تعالى: ) وَمِنْ ءايَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالاْرْضُ بِأَمْرِهِ ( وغير ذلك انتهى . وقوله: ولكنْ أنّ مع الفعل يعني المضارع ، وقوله: في أغلب أمرها ليس بجيد ، بل تدل على المستقبل في جميع أمورها . وأما قوله: وقد تجيء إلى آخره ، فلم يفهم ذلك من دلالة أنْ ، وإنما ذلك من نسبة قيام السماء والأرض بأمر الله ، لأنّ هذا لا يختص بالمستقبل دون الماضي في حقه تعالى . ونظيره ) إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلّ شَىْء قَدِيرًا ( فكان تدل على اقتران مضمون الجملة بالزمن الماضي ، وهو تعالى متصف بهذا الوصف ماضيًا وحالًا ومستقبلًا ، وتقييد الفعل بالزمن لا يدل على نفيه عن غير ذلك الزمن . والذين هاجروا قال قتادة: نزلت في مهاجري أصحاب الرسول( صلى الله عليه وسلم ) ) . وقال داود بن أبي هند: في أبي جندل بن سهيل بن عمرو . وعن ابن عباس: في صهيب ، وبلال ، وخباب بن الأرت ، وأضرابهم عذبهم المشركون بمكة ، فبوأهم الله المدينة . وعلى هذا الاختلاف في السبب يتنزل المراد بقوله: والذين هاجروا . قال ابن عطية: لما ذكر الله كفار مكة الذين أقسموا بأنّ الله لا يبعث من يموت ، ورد على قولهم ذكر مؤمني مكة المعاصرين لهم ، وهم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة ، هذا قول الجمهور وهو الصحيح في سبب الآية ، لأنّ هجرة المدينة ما كانت إلا بعد وقت نزول الآية انتهى . والذين هاجروا ، عموم في المهاجرين كائنًا ما كانوا ، فيشمل أولهم وآخرهم . وقرأ الجمهور: لنبوأنهم ، والظاهر انتصاب حسنة على أنه نعت لمصدر محذوف يدل عليه الفعل أي: تبوئة حسنة . وقيل: انتصاب حسنة على المصدر على غير الصدر ، لأنّ معنى لنبوأنهم في الدنيا لنحسنن إليهم ، فحسنة في معنى إحسانًا . وقال أبو البقاء: حسنة مفعول ثان لنبوأنهم ، لأنّ معناه لنعطينهم ، ويجوز أن يكون صفة لمحذوف أي: دار حسنة انتهى . وقال الحسن ، والشعبي ، وقتادة: دارًا حسنة وهي المدينة . وقيل: التقدير منزلة حسنة ، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموا ، وعلى العرب قاطبة ، وعلى أهل المشرق والمغرب . وقال مجاهد: الرزق الحسن . وقال الضحاك: النصر على عدوهم . وقيل: ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات . وقيل: ما بقي لهم فيها من الثناء ، وما صار فيها لأولادهم من الشرف . وقيل: الحسنة كل شيء مستحسن ناله المهاجرون . وقرأ عليّ ، وعبد الله ، ونعيم بن ميسرة ، والربيع بن خيثم: لنثوينهم بالثاء المثلثة ، مضارع أثوى المنقول بهمزة التعدية من ثوى بالمكان أقام فيه ، وانتصب حسنة على تقدير إثواة حسنة ، أو على نزع الخافض