فهرس الكتاب

الصفحة 2688 من 4224

"صفحة رقم 504"

ويتعذب بها ، ثم لا يأتي من جهتها خير البتة . وعن قتادة أيضًا وغيره: هذا مثل ضربه الله لنفسه وللوثن ، فالأبكم الذي لا يقدر على شيء هو الوثن ، والذي يأمر بالعدل هو الله تعالى ، وهذا ليس كذلك لأنه قال: مثلًا رجلين ، فلا بد أن يكون عديل الأبكم الموصوف بتلك الصفات ، ومقابله رجل موصوف بما يقابل تلك الصفات من النطق والقدرة والكفاية ، ولكنه حذف المقابل لدلالة مقابله عليه ، ثم قيل: هل يستوي ذلك الأبكم الموصوف بتلك الصفات ، وهذا الناطق: ففي ذكر استوائهما أيضًا دليل على حذف المقابل . ولما كان البكم هو المبدأ به من الأوصاف ، وعنه تكون الأوصاف التي بعده قابلة في الاستواء بالنطق ، وثمرته من الأمر بالعدل غيره وهو في نفسه على طريقة مستقيمة ، فحيثما توجه صدر منه الخبر ونفع ، وليس بكالّ على أحد . وقد تقرر في بداية العقول أنّ الأبكم العاجز لا يكون مساويًا في العقل والشرف للناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية ، فلأن يحكم بأنّ الجماد لا يكون مساويًا لرب العالمين في المعبودية أحرى وأولى . وكما قلنا في المثل السابق: لا يحتاج إلى تعيين المضروب بهما المثل ، فكذلك هنا ، فتعيين الأبكم بأبي جهل ، والآمر بالعدل: بعمار ، أو بأبيّ بن خلف ، وعثمان بن مظعون ، أو بهاشم بن عمرو بن الحرث كان يعادي الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ) لا يصح إسناده .

وقرأ عبد الله ، وعلقمة ، وابن وثاب ، ومجاهد ، وطلحة يوجه بهاء واحدة ساكنة مبنيًا ، وفاعله ضمير يعود عليى مولاه ، وضمير المفعول محذوف لدلالة المعنى عليه . ويجوز أن يكون ضمير الفاعل عائدًا على الأبكم ، ويكون الفعل لازمًا وجه بمعنى توجه ، كان المعنى: أينما يتوجه . وعن عبد الله أيضًا: توجهه بهاءين ، بتاء الخطاب ، والجمهور بالياء والهاءين . وعن علقمة وابن وثاب ، وطلحة ، يوجه بهاء ، واحدة ساكنة ، والفعل مبني للمفعول . وعن علقمة ، وطلحة: يوجه بكسر الجيم وهاء واحدة مضمومة . قال صاحب اللوامح: فإنْ صح ذلك فإنّ الهاء التي هي لام الفعل محذوفة فرارًا من التضعيف ، ولأن اللفظ به صعب مع التضعيف ، أو لم يرد به الشرط ، بل أمر هو بتقدير أينما هو يوجه ، وقد حذف منه ضمير المفعول به ، فيكون حذف الياء من لا يأت بخير على التخفيف نحو: يوم يأت . وإذا يسر انتهى . ولا يخرج أين عن الشرط أو الاستفهام . وقال أبو حاتم: هذه القراءة ضعيفة ، لأن الجزم لازم انتهى . والذي توجه عليه هذه القراءة إن صحت أنّ أينما شرط حملت على إذا لجامع ما اشتركا فيه من الشرطية ، ثم حذفت الياء من لا يأت تخفيفًا ، أو جزمه على توهم أنه نطق بأينما المهملة معملة لقراءة من قرأ أنه من يتقي ويصبر في أحد الوجهين ، ويكون معنى يوجه يتوجه ، فهو فعل لازم لا متعد .

ثم ذكر تعالى أنه له غيب السموات والأرض ، وهو ما غاب عن العباد وخفي فيهما عنهم علمه . والظاهر اتصاله بقوله: ) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ( أخبر باستئثاره بعلم غيب السموات والأرض ، بكمال قدرته على الإتيان بالساعة التي تنكرونها في لمحة البصر أو أقرب ، والمعنى بهذا الإخبار: أنّ الآلهة التي تعبدونها منتف عنها هذان الوصفان اللذان للإله وهما: العلم المحيط بالمغيبات ، والقدرة البالغة التامّة . ومن ذكر أنّ قوله: ومن يأمر بالعدل هو الله تعالى ، ذكر ارتباط هذه الجملة بما قبلها بأنّ من يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم هو الكامل في العلم والقدرة ، فبين ذلك بهذه الجملة . قيل: والغيب هنا ما لا يدرك بالحس ، ولا يفهم بالعقل . وقال المفضل: ما غاب عن الخلق هو في قبضته لا يعزب عنه . وقيل: هو ما في قوله: ) إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ( وقال الزمخشري: أو أراد بغيب السموات والأرض يوم القيامة ، على أن علمه غائب عن أهل السموات والأرض لم يطلع عليه أحد منهم . قيل: لما كانت الساعة آتية ولا بد ، جعلت من القرب كلمح البصر . وقال الزجاج: لم يرد أنّ الساعة تأتي في لمح البصر ، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها أي: يقول للشيء كن فيكون . وقيل: هذا تمثيل للقرب كما تقول: ما السنة إلا لحظة . وقال الزمخشري: هو عند الله وإن تراخى ، كما يقولون أنتم في الشيء التي تستقربونه: كلمح البصر ، أو هو أقرب إذا بالغتم في استقرابه ونحوه قوله: ) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ( ) وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ( ) وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ ( أي هو عنده دان ، وهو عندكم بعيد . وقيل: المعنى أنّ إقامة الساعة وإماتة الأحياء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت