فهرس الكتاب
"صفحة رقم 510"
ءايَاتُنَا بَيّنَاتٍ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمُنْكَرَ ( وتقول: إذا جاء زيد لا يجيء عمرو . قال الحوفي: فلا يخفف جواب إذا ، وهو العامل في إذا ، وقد تقدم لنا أنّ ما تقدم فاء الجواب في غير أما لا تعمل فيما قبله ، وبينا أنّ العامل في إذا الفعل الذي يليها كسائر أدوات الشرط ، وإن كان ليس قول الجمهور . وجعل الزمخشري جواب إذا محذوفًا فقال: وقد قدر العامل في يوم نبعث مجزومًا قال: ويوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه ، وكذلك وإذا رأوا العذاب بغتهم وثقل عليهم فلا يخفف ولا هم ينظرون كقوله: ) بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً ( فتبهتهم الآية انتهى . والظاهر أن قوله: شركاءهم ، عام في كل من اتخذوه شريكًا لله من صنم ووثن وآدمي وشيطان وملك ، فيكذبهم من له منهم عقل ، فيكون: فألقوا عائدًا على من له الكلام ، ويجوز أن يكون عامًا ينطق الله تعالى بقدرته الأوثان والأصنام . وإضافة الشركاء إليهم على هذا القول لكونهم هم الذين جعلوهم شركاء لله . وقال الحسن: شركاؤهم الشياطين ، شركوهم في الأموال والأولاد كقوله تعالى: ) وَشَارِكْهُمْ فِى الاْمْوالِ وَالاْوْلَادِ ( ، وقيل: شركاؤهم في الكفر . وعلى القول الأول شركاؤهم في أنْ اتخذوهم آلهة مع الله وعبدوهم ، أو شركاؤهم في أنْ جعلوا لهم نصيبًا من أموالهم وأنعامهم ، والظاهر أنّ القول منسوب إليهم حقيقة . وقيل: منسوب إلى جوارحهم ، لأنهم لما أنكروا الإشراك بقولهم: ) إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ( أصمت الله ألسنتهم وأنطق جوارحهم . ومعنى: تدعو ، ونعبد قالوا ذلك رجاء أن يشركوا معهم في العذاب ، إذ يحصل التأسي ، أو اعتذارًا عن كفرهم إذ زين لهم الشيطان ذلك وحملهم عليه ، إن كان الشركاء هم الشياطين . وقال أبو مسلم الأصبهان . قالوا: ذلك إحالة هذا الذنب على تلك الأصنام ، وظنًا أن ذلك ينجيهم من عذاب الله أو من عذابهم ، فعند ذلك تكذيبهم تلك الأصنام . وقال القاضي: هذا بعيد ، لأنّ الكفار يعلمون علمًا ضروريًا في الآخرة أن العذاب سينزل بهم ، ولا نصرة ، ولا فدية ، ولا شفاعة . وتقدم الإخبار بأنهم شركاء ، والإخبار أنهم كانوا يدعونهم: أي يعبدونهم ، فاحتمل التذكيب أن يكون عائدًا للإخبار الأول أي: لسنا شركاء لله في العبادة ، ولا آلهة نزهوا الله تعالى عن أن يكونوا شركاء له . واحتمل أن يكون عائدًا على الإخبار الثاني وهو العبادة ، لما لم يكونوا راضين بالعبادة جعلوا عبادتهم كلا عبادة ، أو لما لم يدعوهم إلى العبادة . ألا ترى أنّ الأصنام والأوثان لا شعور لها بالعبادة ، فضلًا عن أن يدعو وإن من عبد من صالحي المؤمنين والملائكة ، لم يدع إلى عبادته . وإن كان الشركاء الشياطين جاز أن يكونوا كاذبين في إخبارهم بكذب من عبدهم ، كما كذب إبليس في قوله: ) إِنّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ( والضمير في إلى الله فألقوا عائد على الذين أشركوا ، قاله الأكثرون . والسلم: الاستسلام والانقياد لحكم الله بعد الإباء والاستكبار في الدنيا ، فلم يكن لهم إذ ذاك حيلة ولا دفع . وروى يعقوب عن أبي عمرو: السلم بإسكان اللام . وقرأ مجاهد: بضم السين واللام . وقيل: الضمير عائد على الذين أشركوا ، وشركائهم كلهم . قال الكلبي: استسلموا منقادين لحكمه ، والضمير في وضلوا عائد على الذين أشركوا خاصة أي: وبطل عنهم ما كانوا يفترون من أنّ لله شركاء وأنهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرأوا منهم ، والظاهر أنّ الذين مبتدأ وزدناهم الخبر . وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون قوله: الذين ، بدلًا من الضمير في يفترون . وزدناهم فعل مستأنف إخباره . وصدوا عن سبيل الله أي: غيرهم زدناهم عذابًا بسبب الصد فوق العذاب ، أي: الذي ترتب لهم على الكفر ضاعفوا كفرهم ، فضاعف الله عقابهم . وهذا المزيد عن ابن مسعود عقارب كأمثال النخل الطوال ، وعنه: حيات كأمثال الفيلة ، وعقارب كأمثال البغال . وعن ابن عباس: أنها من صفر مذاب تسيل من تحت العرش يعذبون بها ، وعن الزجاج: يخرجون من حر النار إلى الزمهرير ، فيبادرون من شدة برده إلى النار ، وعلل تلك الزيادة بكونهم مفسدين غيرهم ، وحاملين على الكفر . وفي كل أمة فيها منها حذف في السابق من أنفسهم وأثبته هنا وحذف هناك في وأثبته هنا ، والمعنى في كليهما: أنه يبعث