فهرس الكتاب
"صفحة رقم 522"
عن النظر فيه كانوا كمن استحب غيره . وقوله: استحبوا ، هو تكسب منهم علق به العقاب ، وأنّ الله لا يهدي إشارة إلى اختراع الله الكفر في قلوبهم ، فجمعت الآية بين الكسب والاختراع ، وهذا عقيدة أهل السنة . وقيل: ذلك إشارة إلى الارتداد والإقدام على الكفر ، لأجل أنهم رجحوا الدنيا على الآخرة ، ولأنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان . وتقدم الكلام على الطبع على القلوب والسمع والأبصار والختم عليها . وأولئك هم الغافلون: قال ابن عباس: عن ما يراد منهم في الآخرة . وقال الزمخشري: الكاملون في الغفلة الذين لا أحد أغفل منهم ، لأن الغفلة عن تدبر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها . ولما كان الإسناد ليكتسب بالطاعات سعادة الآخر ، فعمل على عكس ذلك من المعاصي الكفر وغيره عظم خسرانه فقيل فيهم: هم الخاسرون ولا غيرهم . ومن أخسر ممن اتصف بتلك الأوصاف السابقة من كينونة غضب الله عليهم ، والعذاب الأليم ، واستحباب الدنيا ، وانتفاء هدايتهم ، والأخبار بالطبع وبغفلتهم . ولما ذكر تعالى حال من كفر بعد الإيمان ، وحال من أكره ، ذكر حال من هاجر بعد ما فتن . قال ابن عطية: وهذه الآية مدنية ، ولا أعلم في ذلك خلافًا . وقال ابن عباس: نزلت فكتب بها المسلمون إلى من كان أسلم بمكة أنّ الله قد جعل لكم مخرجًا ، فخرجوا ، فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل ، فعلى هذا السبب يكون جهادهم مع الرسول على الإسلام . وروي أنهم خرجوا واتبعوا وجاهدوا متبعيهم ، فقتل من قتل ، ونجا من نجا ، فنزلت حينئذ ، فعنى بالجهاد جهادهم لمتبعيهم . وقال ابن إسحاق: نزلت في عمار ، وعياش بن أبي ربيعة ، والوليد بن الوليد . قال ابن عطية: وذكر عمار في هذا غير قويم ، فإنه أرفع من طبقة هؤلاء ، وإنما هؤلاء من باب ممن شرح بالكفر صدرًا أفتح الله لهم باب التوبة في آخر الآية . وقال عكرمة والحسن: نزلت في شأن عبد الله بن أبي سرح وأشباهه ، فكأنه يقول: من بعد ما فتنهم الشيطان . وقال الزمخشري: ثم إن ربك دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك ، وهم عمار وأصحابه . وللذين عند الزمخشري في موضع خبران قال: ومعنى إن ربك لهم إنه لهم لا عليهم ، بمعنى أنه وليهم وناصرهم ، لا عدوهم وخادلهم كما يكون الملك للرجل: لا عليه ، فيكون محميًا منفوعًا غير مضرور انتهى . وقوله: منفوعًا اسم مفعول من نفع ، وهو قياسه لأنه متعد ثلاثي . وزعم الأهوازي النحوي أنه لا يستعمل من نفع اسم مفعول ، فلا يقال منفوع وقفت له عليه في شرحه موجز الرماني . وقال أبو البقاء: خبر أن الأولى قوله: إن ربك لغفور ، وأن الثانية واسمها تكرير للتوكيد انتهى . وإذا كانت أنّ الثانية واسمها تكريرًا للتوكيد كما ذكر ، فالذي يقتضيه صناعة العربية أن يكون خبر أنّ الأولى هو قوله: لغفور ، ويكون للذين متعلقًا بقوله: لغفور ، أو برحيم على الأعمال ، لأنّ إن ربك الثانية لا يكون لها طلب لما بعدها من حيث الإعراب . كما أنك إذا قلت: قام قام زيد ، فزيد إنما هو مرفوع بقام الأولى ، لأن الثانية ذكرت على سبيل التوكيد للأولى . وقيل: لا خبر لأن الأولى في اللفظ لأن خبر الثانية أغنى عنه انتهى . وهذا ليس بجيد ، لأنه ألغى حكم الأولى وجعل الحكم للثانية ، وهو عكس ما تقدم ، ولا يجوز . وقيل: للذين متعلق بمحذوف على جهة البيان كأنه قيل: أعني للذين ، أي الغفران للذين . وقرأ الجمهور: فتنوا مبنيًا للمفعول أي: بالعذاب والإكراه على كلمة الكفر . وقرأ ابن عامر: فتنوا مبنيًا للفاعل ، والظاهر أن الضمير عائد على الذين هاجروا ، فالمعنى: فتنوا أنفسهم بما أعطوا المشركين من القول كما فعل عمار . أو لما كانوا صابرين على الإسلام وعذبوا بسبب ذلك صاروا كأنهم هم المعذبون أنفسهم ، ويجوز أن يكون عائدًا على المشركين أي: من بعد ما عذبوا المؤمنين كالحضرمي وأشباهه . والضمير في مَن بعدها عائد على المصادر المفهومة من الأفعال السابقة أي: من بعد الفتنة والهجرة والجهاد والصبر . وقال ابن عطية: والضمير في بعدها عائد على الفتنة ، أو الهجرة ، أو التوبة ، والكلام يعطيها وإن لم يجر لها ذكر صريح .