فهرس الكتاب
"صفحة رقم 525"
فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر ، وإذاقة العذاب شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع . وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث . وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة: عما يغشى منهما ويلابس ، فكأنه قيل: فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف ، ولهم في نحو هذا طريقان: أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له ، كما نظر إليه ههنا ، ونحوه قول كثير: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا
غلقت لضحكته رقاب المال
استعار الرداء للمعروف ، لأنه يصون عرض صاحبه ، صون الرداء لما يلقى عليه . ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال ، لا صفة الرداء ، نظرًا إلى المستعار له . والثاني: أن ينظروا فيه إلى المستعار كقوله: ينازعني ردائي عبد عمرو
رويدك يا أخا عمرو بن بكر
لي الشطر الذي ملكت يميني
ودونك فاعتجر منه بشطر
أراد بردائه سيفه ثم قال: فاعتجر منه بشطر ، فنظر إلى المستعار في لفظ: الاعتجار ، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقيل: فكساهم لبس الجوع والخوف ، ولقال كثير: ضافي الرداء إذا تبسم ضاحكًا انتهى . وهو كلام حسن . ولما تقدم ذكر الأمن وإتيان الرزق ، قابلهما بالجوع الناشىء عن انقطاع الرزق وبالخوف . وقدم الجوع ليلى المتأخر وهو إتيان الرزق كقوله: ) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ ( وأما قوله: ) فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ ( فأما الذين شقوا ففي النار فقدم ما بدىء به وهما طريقان . وقرأ الجمهور: والخوف بالجرّ عطفًا على الجوع . وروي العباس عن أبي عمرو: والخوف بالنصب عطفًا على لباس . قال صاحب اللوامح: ويجوز أن يكون نصبه بإضمار فعل . وقال الزمخشري: يجوز أن يكون على تقدير حذف المضاب وإقامة المضاف إليه مقامه ، أصله ولباس الخوف . وقرأ عبد الله فأذاقها الله الخوف والجوع ، ولا يذكر لباس . والذي أقوله: إنّ هذا تفسير المعنى لا قراءة ، لأن المنقول عنه مستفيضًا مثل ما في سواد المصحف . وفي مصحف أبي بن كعب لباس الخوف والجوع ، بدأ بمقابل ما بدأ به في قوله: كانت آمنة ، وهذا عندي إنما كان في مصحفه قبل أن يجمعوا ما في سواد المصحف الموجود الآن شرقًا وغربًا ، ولذلك المستفيض عن أبي في القراءة إنما هو كقراءة الجماعة بما كانوا يصنعون من كفران نعم الله ، ومنها تكذيب الرسول( صلى الله عليه وسلم ) ) الذي جاءهم . والضمير في بما كانوا يصنعون عائد على المحذوف في قوله: وضرب الله مثلًا قرية ، أي: قصة أهل قرية ، أعاد الضمير أولًا على لفظ قرية ، ثم على المضاف المحذوف كقوله: ) فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ). والظاهر أن الضمير في ولقد جاءهم ، عائد على ما عاد عليه في قوله: بما كانوا يصنعون . وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون الضمير في