"صفحة رقم 143"
فجيء بلفظ أهلها ليعم جميعهم وأنهم يتبعونهم واحدًا واحدًا بالاستطعام ، ولو كان التركيب استطعماهم لكان عائدًا على البعض المأتي .
وقرأ الجمهور ) يُضَيّفُوهُمَا( بالتشديد من ضيف . وقرأ ابن الزبير والحسن وأبو رجاء وأبو رزين وابن محيصن وعاصم في رواية المفضل وأبان بكسر الضاد وإسكان الياء من أضاف ، كما تقول ميّل وأمال ، وإسناد الإرادة إلى الجدار من المجاز البليغ والاستعارة البارعة وكثيرًا ما يوجد في كلام العرب إسناد أشياء تكون من أفعال العقلاء إلى ما لا يعقل من الحيوان وإلى الجماد ، أو الحيوان الذي لا يعقل مكان العاقل لكان صادرًا منه ذلك الفعل . وقد أكثر الزمخشري وغيره من إيراد الشواهد على ذلك ومن له أدنى مطالعة لكلام العرب لا يحتاج إلى شاهد في ذلك .
قال الزمخشري: ولقد بلغني أن بعض المحرفين لكلام الله ممن لا يعلم كان يجعل الضمير للخضر لأن ما كان فيه من آفة الجهل وسقم الفهم أراه أعلى الكلام طبقة أدناه منزلة ، فتمحل ليرده إلى ما هو عنده أصح وأفصح ، وعنده أن ما كان أبعد من المجاز أدخل في الإعجاز انتهى . وما ذكره أهل أصول الفقه عن أبي بكر محمد بن داود الأصبهاني من أنه ينكر المجاز في القرآن لعله لا يصح عنه ، وكيف يكون ذلك وهو أحد الأدباء الشعراء الفحول المجيدين في النظم والنثر .
وقرأ الجمهور )يَنقَضَّ ( أي يسقط من انقضاض الطائر ، ووزنه انفعل نحو انجر . قال صاحب اللوامح: من القضة وهي الحصى الصغار ، ومنه طعام قضض إذا كان فيه حصى ، فعلى هذا ) يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ ( أي يتفتت فيصير حصاة انتهى . وقيل: وزنه أفعّل من النقض كأحمرِّ . وقرأ أبي ) يَنقَضَّ ( بضم الياء وفتح القاف والضاد مبنيًا للمفعول من نقضته وهي مروية عن النبيّ( صلى الله عليه وسلم ) ) . وفي حرف عبد الله وقراءة الأعمش يريد لينقض كذلك إلاّ أنه منصوب بأن المقدرة بعد اللام . وقرأ علي وعكرمة وأبو شيخ خيوان بن خلالد الهنائي وخليد بن سعد ويحيى بن يعمر ينقاص بالصاد غير معجمة مع الألف ، ووزنه ينفعل اللازم من قاص يقيص إذا كسرته تقول: قصيته فانقاص . قال ابن خالويه: وتقول العرب انقاصت السنّ إذا انشقت طولًا . قال ذو الرمة: منقاص ومنكثب . وقيل: إذا تصدعت كيف كان . ومنه قول أبي ذؤيب: فراق كقص السن فالصبر إنه
لكل أناس عشرة وحبور
وقرأ الزهري: ينقاض بألف وضاد معجمة وهي من قولهم: قضته معجمة فانقاض أي هدمته فانهدم . قال أبو عليّ: والمشهور عن الزهري بصاد غير معجمة .
( فَأَقَامَهُ( الظاهر أنه لم يهدمه وبناه كما ذهب إليه بعضهم من أنه هدمه وقعد يبنيه . ووقع هذا في مصحف عبد الله وأيد بقوله ) لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ( لأن بناءه بعد هدمه يستحق عليه أجرًا . وقال ابن جبير: مسحه بيده وأقامه فقام . وقيل: أقامه بعمود عمده به . وقال مقاتل: سواه بالشيد أي لبسه به وهو الجيار . وعن ابن عباس: دفعه بيده فاستقام وهذا أليق بحال الأنبياء . قال الزمخشري: كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم وقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة فلم يجدا مواسيًا ، فلما أقام الجدار لم يتمالك