"صفحة رقم 164"
البدن وبه قوامه وهو أصل بنائه ، فإذا وهن تداعى ما وراءه وتساقطت قوته ، ولأنه أشد ما فيه وأصلبه فإذا وهن كان ما وراءه أو هن ووحد ) الْعِظَامَ( لأنه يدل على الجنس ، وقصد إلى أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام ، وأشد ما تركب منه الجسد قد أصابه الوهن ولو جمع لكان قصدًا آخر وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه ولكن كلها . وقال قتادة: اشتكى سقوط الأضراس . قال الكرماني: وكان له سبعون سنة . وقيل: خمس وسبعون . وقيل: خمس وثمانون . وقيل: ستون . وقيل: خمس وستون . وشبه الشيب بشواظ النار في بياضه وانتشاره في الشعر وفشوه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار ثم أخرجه مخرج الاستعارة ، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس ، وأخرج الشيب مميزًا ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكرياء فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة قاله الزمخشري ، وإلى هذا نظر ابن دريد . فقال: واشتعل المبيض في مسوده
مثل اشتعال النار في جزل الغضا وبعضهم أعرب )شِيبًا ( مصدرًا قال: لأن معنى ) وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ ( شاب فهو مصدر من المعنى . وقيل: هو مصدر في موضع نصب على الحال ، واشتعال الرأس استعارة المحسوس للمحسوس إذ المستعار منه النار والمستعار له الشيب ، والجامع بينهما الانبساط والانتشار ) وَلَمْ أَكُنْ ( نفي فيما مضى أي ما كنت ) بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيًّا ( بل كنت سعيدًا موفقًا إذ كنت تجيب دعائي فأسعد بذلك ، فعلى هذا الكاف مفعول . وقيل: المعنى ) بِدُعَائِكَ ( إلى الإيمان ) شَقِيًّا ( بل كنت ممن أطاعك وعبدك مخلصًا . فالكاف على هذا فاعل والأظهر الأول شكرًا لله تعالى بما سلف إليه من إنعامه عليه ، أي قد أحسنت إليّ فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن تجيبني آخر كما أجبتني أولًا .
وروي أن حاتمًا الطائي أتاه طالب حاجة فقال: أنا أحسنت إليك وقت كذا ، فقال حاتم: مرحبًا بالذي توسل بنا إلينا وقضى حاجته .
مريم: ( 5 ) وإني خفت الموالي . . . . .
( وَإِنّي خِفْتُ الْمَوَالِىَ مِن وَرَائِى( ) الْمَوَالِىَ( بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب . قال الشاعر: مهلًا بني عمنا مهلًا موالينا
لا تنبشوا بينا ما كان مدفونًا وقال لبيد
ومولى قد دفعت الضيم عنه
وقد أمسى بمنزلة المضيم
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح )الْمَوَالِىَ ( هنا الكلالة خاف أن يرثوا ماله وأن يرثه الكلالة . وروي قتادة والحسن عن النبيّ( صلى الله عليه وسلم ) ): ( يرحم الله أخي زكريا ما كان عليه ممن يرث ماله ) . وقالت: فرقة إنما كان مواليه مهملين الدين فخاف بموته أن يضيع الدين فطلب وليًا يقوم بالدين بعده ، وهذا لا يصح عنه إذ قال عليه السلام: ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة ) والظاهر اللائق بزكريا عليه السلام من حيث هو معصوم أنه لا يطلب الولد لأجل ما يخلفه من حطام الدنيا . وكذلك قول من قال: إنما خاف أن تنقطع النبوّة من ولده ويرجع إلى عصبته لأن تلك إنما يضعها الله حيث شاء ولا يعترض على الله فيمن شاءه واصطفاه من عباده . قال الزمخشري كان مواليه