"صفحة رقم 10"
بنقض ما كان أبرمه من ادعاء الألوهية ، ولذلك أنكر فقال: وما رب العالمين والمعنى إليك ، ( وَأَنْ أُرْسِلَ (: يجوز أن تكون تفسيرية لما في رسول من معنى القول ، وأن تكون مصدرية ، وأرسل بمعنى أطلق وسرح ، كما تقول: أرسلت الحجر من يدي ، وأرسلت لصقر . وكان موسى مبعوثًا إلى فرعون في أمرين: إرسال بني إسرائيل ليزول عنهم العبودية ، والإيمان بالله وبعث بالعبادات والشرع إلى بني إسرائيل وإرسالهم معهما كان إلى فلسطين ، وكانت مسكن موسى وهارون .
( قَالَ أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَاْ مِنَ الضَّالّينَ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْمًا وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْراءيلَ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبّ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الاْوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَاهًَا غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أُوْحِى لَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ ) .
ويروى أنهما انطلقا إلى باب فرعون ، ولم يؤذن لهما سنة ، حتى قال البواب: إن هنا إنسانًا يزعم أنه رسول رب العالمين ، فقال له: ائذن له لعلنا نضحك منه . فأديا إليه الرسالة ، فعرف موسى فقال له: ) أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيدًا ( وفي الكلام حذف يدل عليه المعنى تقديره: فأتيا فرعون ، فقالا له ذلك . ولما بادهه موسى بأنه رسول رب العالمين ، وأمره بإرسال بني إسرائيل معه ، أخذ يستحقره ويضرب عن المرسل وعما جاء به من عنده ، ويذكره بحالة الصغر والمنّ عليه بالتربية . والوليد الصبي ، وهو فعيل بمعنى مفعول ، أطلق ذلك عليه لقربه من الولادة . وقرأ أبو عمرو في رواية: من عمرك ، بإسكان الميم ، وتقدم ذكر الخلاف في كمية هذه السنين في طه . وقرأ الجمهور: فعلتك ، بفتح الفاء ، إذ كانت وكزة واحدة ، والشعبي: بكسر الفاء ، يريد الهيئة ، لأن الوكزة نوع من القتل . عدد عليه نعمة التربية ومبلغه عنده مبلغ الرجال ، حيث كان يقتل نظراءه من بني إسرائيل ، وذكره ما جرى على يده من قتل القبطي ، وعظم ذلك بقوله: ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِى فَعَلْتَ ( ، لأن هذا الإبهام ، بكونه لم يصرح أنها القتل ، تهويل للواقعة وتعظيم شأن . ) وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (: يجوز أن يكون حالًا ، أي قتلته وأنت إذ ذاك من الكافرين ، فافترى فرعون بنسبة هذه الحال إليه إذ ذاك ، والأنبياء عليهم السلام معصومون . ويجوز أن يكون إخبارًا مستأنفًا من فرعون ، حكم عليه بأنه من الكافرين بالنعمة التي لي عليك من التربية والإحسان ، قاله ابن زيد ؛ أو من الكافرين بي في أنني إلاهك ، قاله الحسن ؛ أو من الكافرين بالله لأنك كنت معنا على ديننا هذا الذي تعيبه الآن ، قاله السدي .
( قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا(: إجابة موسى عن كلامه الأخير المتضمن للقتل ، إذ كان الاعتذار فيه أهم من الجواب في ذكر النعمة بالتربية ، لأنه فيه إزهاق النفس . قال ابن عطية: إذن صلة في الكلام وكأنها بمعنى حينئذ . انتهى . وليس بصلة ، بل هي حرف معنى . وقوله وكأنها بمعنى حينئذ ، ينبغي أن يجعل قوله تفسير معنى ، إذ لا يذهب أحد إلى أن إذن ترادف من حيث الإعراب حينئذ . وقال الزمخشري: فإن قلت: إذًا جواب وجزاء معًا ، والكلام وقع جوابًا لفرعون ، فكيف وقع جزاء ؟ قلت: قول فرعون: ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ( فيه معنى: إنك جازيت نعمتي بما فعلت ؛ فقال له موسى: نعم فعلتها ، مجازيًا لك تسليمًا لقوله ، كأن نعمته كانت عنده جديرة بأن تجازى بنحو ذلك الجزاء . انتهى . وهذا الذي ذكره من أن إذًا جواب وجزاء معًا ، هو قول سيبويه ، لكن الشراح فهموا أنها قد تكون جوابًا وجزاء معًا ، وقد تكون جوابًا فقط دون جزاء . فالمعنى اللازم لها هو الجواب ، وقد يكون مع ذلك جزاء . وحملوا قوله: ) فَعَلْتُهَا إِذًا ( من المواضع التي جاءت فيها جوابًا بالآخر ، على أن بعض أئمتنا تكلف هنا كونها جزاء وجوابًا ، وهذا كله محرر