فهرس الكتاب

الصفحة 3198 من 4224

"صفحة رقم 12"

الضحاك: الكلام إذا خرج مخرج التبكيت يكون باستفهام وبغير استفهام ، والمعنى: لو لم يقتل بني إسرائيل لرباني أبواي ، فأي نعمة لك علي فأنت تمنّ علي بما لا يجب أن تمنّ به . وقيل: اتخاذك بني إسرائيل عبيدًا أحبط نعمتك التي تمنّ بها . وقال الزمخشري: وأبي ، يعني موسى عليه السلام ، أن يسمي نعمته أن لا نعمة ، حيث بين أن حقيقة إنعامه تعبد بني إسرائيل ، لأن تعبدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته ، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه إذا حققت . وتعبيدهم: تذليلهم واتخاذهم عبيدًا ، يقال: عبدت الرجل وأعبدته ، إذا اتخذته عبدًا ، قال الشاعر: علام يعبدني قومي وقد كثرت

فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان

فإن قلت: وتلك إشارة إلى ماذا ؟ وأن عبدت ما محلها من الإعراب ؟ قلت: تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة ، لا يدري ما هي إلا بتفسيرها ؛ ومحل أن عبدت الرفع ، عطف بيان لتلك ، ونظيره قوله تعالى: ) وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الاْمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ( ، والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها عليّ . وقال الزجاج: يجوز أن يكون في موضع نصب ، المعنى أنها صارت نعمة عليّ ، لأن عبدت بني إسرائيل ، أي لو لم تفعل لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم . انتهى . وقال الحوفي: ) أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْراءيلَ ( في موضع نصب مفعول من أجله . وقال أبو البقاء: بدل ، ولما أخبر موسى فرعون بأنه رسول رب العالمين ، لم يسأل إذ ذاك فيقول: ) وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ( ؟ بل أخذ في المداهاة وتذكار التربية والتقبيح لما فعله من قتل القبطي . فلما أجابه عن ذلك انقطعت حجته في التربية والقتل ، وكان في قوله: رسول رب العالمين دعاء إلى الإقرار بربوبية الله ، وإلى طاعة رب العالم ، فأخذ فرعون يستفهم عن الذي ذكر موسى أنه رسول من عنده . والظاهر أن سؤاله إنما كان على سبيل المباهتة والمكابرة والمرادّة ، وكان عالمًا بالله . ويدل عليه: ) لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ بَصَائِرَ ( ، ولكنه تعامى عن ذلك طلبًا للرياسة ودعوى الإلهية ، واستفهم بما استفهامًا عن مجهول من الأشياء . قال مكي: كما يستفهم عن الأجناس ، وقد ورد له استفهام بمن في موضع آخر ، ويشبه أنها مواطن . انتهى . والموضع الآخر قوله: ) فَمَن رَّبُّكُمَا يامُوسَى مُوسَى ( ؟ ولما سأله فرعون ، وكان السؤال بما التي هي من سؤال عن الماهية ، ولم يمكن الجواب بالماهية ، أجاب بالصفات التي تبين للسامع أنه لا مشاركة لفرعون فيها ، وهي ربوبية السموات والأرض وما بينهما . وقال الزمخشري: وهذا السؤال لا يخلو أن يريد به أي شيء من الأشياء التي شوهدت وعرفت أجناسها ، فأجاب بما يستدل عليه من أفعاله الخاصة ، ليعرفه أنه ليس مما شاهد وعرف من الأجرام والأعراض ، وأنه شيء مخالف لجميع الأشياء ، ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ( شيء . وأما أن يريد أنه شيء على الإطلاق تفتيشًا عن حقيقة الخاصة ما هي ، فأجاب بأن الذي سألت عنه ليس إليه سبيل ، وهو الكافي في معرفته معرفة بيانه بصفاته استدلالًا بأفعاله الخاصة على ذلك ؛ وأما التفتيش عن حقيقة الخاصة التي هي فوق فطر العقول ، فتفتيش عما لا سبيل إليه ، والسائل عنه متعنت غير طالب للحق . والذي يليق بحال فرعون ، ويدل عليه الكلام ، أن كون سؤاله إنكارًا لأن يكون للعالمين رب سواه ، ألا نرى أنه يعلم حدوثه بعد العدم ؟ وأنه محل للحوادث ؟ وأنه لم يدعّ الإلاهية إلا في محل ملكه مصر ؟ وأنه لم يكن ملك الأرض ؟ بل كان فيها ملوك غيره ، وأنبياء في ذلك الزمان يدعون إلى الله كشعيب عليه السلام ؟ وأنه كان مقرًا بالله تعالى في باطن أمره ؟ وجاء قوله: ) وَمَا بَيْنَهُمَا( على التثنية ، والعائد عليه الضمير مجموع اعتبارًا للجنسين: جنس السماء ، وجنس الأرض ؛ كما ثنى المظهر في قوله:

بين رماحي مالك ونهشل

اعتبارًا للجنسين: وقال أبو عبد الله الرازي يحتمل أن يقال: كان عالمًا بالله ولكنه قال ما قال طلبًا للملك والرياسة . وقد ذكر تعالى في كتابه ما يدل على أنه كان عارفًا بالله ، وهو قوله: )لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء ( الآية . ويحتمل أنه كان على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت