"صفحة رقم 41"
وقرأ الحسن ، وعيسى: بتاء التأنيث ، أنث على معنى العذاب لأنه العقوبة ، أي فتأتيهم العقوبة يوم القيامة ، كما قال: أتته كتابي ، فلما سئل قال: أو ليس بصحيفة ؟ قال الزمخشري: فتأتيهم بالتاء ، يعني الساعة . وقال أبو الفضل الرازي: أنث العذاب لاشتماله على الساعة ، فاكتسى منها التأنيث ، وذلك لأنهم كانوا يسألون عذاب القيامة تكذيبًا بها ، فلذلك أنث . ولا يكتسى المذكر من المؤنث تأنيثًا إلا إن كان مضافًا إليه نحو: اجتمعت أهل اليمامة ، وقطعت بعض أصابعه ، وشرقت صدر القناة ، وليس كذلك . وقرأ الحسن: بغتة ، بفتح الغين ، فتأتيهم بالتاء من فوق ، يعني الساعة .
وقال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى التعقيب في قوله: ) فَتَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً ( قلت: ليس المعنى يراد برؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه الوجود ، وإنما المعنى ترتبها في الشدة ، كأنه قيل: لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم العذاب مما هو أشد منها ، وهو لحوقه بهم مفاجأة مما هو أشد منه ، وهو سؤالهم النظرة . ومثل ذلك أن تقول: إن أسأت مقتك الصالحون ، فمتقك الله ، فإنك لا تقصد بهذا الترتيب أن مقت الله يوجد عقيب مقت الصالحين ، وإنما قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسيء ، وأنه يحصل له بسبب الإساءة مقت الصالحين . فما هو أشد من مقتهم ؟ وهو مقت الله . ويرى ، ثم يقع هذا في هذا الأسلوب ، فيحل موقعه . انتهى . ) فَيَقُولُواْ ( ، أي كل أمّة معذبة: ) هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ(: أي مؤخرون ، وهذا على جهة التمني منهم والرغبة حيث لا تنفع الرغبة . ثم رجع لفظ الآية إلى توبيخ قريش على استعجالهم عذاب الله في طلبهم سقوط السماء كسفًا وغير ذلك ، وقولهم للرسول: أين ما تعدنا به ؟
وقال الزمخشري: )أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ( ، تبكيت لهم بإنكاره وتهكم ، ومعناه: كيف يستعجل العذاب من هو معرض لعذاب فيه من جنس ، ما هو فيه اليوم من النظرة والإمهال ؟ طرفة عين فلا يجاب إليها . ويحتمل أن يكون هذا حكاية توبيخ ، يوبخون به عند استنظارهم يومئذ ، ويستعجلون هذا على الوجه ، حكاية حال ماضية ووجه آخر متصل بما بعده ، وذلك أن استعجالهم بالعذاب إما كان لاعتقادهم أنه غير كائن ولا لاحق بهم ، وأنهم ممتعون بأعمار طوال في سلامة وأمن . فقال عز وعلا: ) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ( ؟ أشر أو بطر أو استهزاء واتكالًا على الأمل الطويل ؟ ثم قال: وهب أن الأمر كما يعتقدون من تمتعهم وتعميرهم ، فإذا لحقهم الوعيد بعد ذلك ، ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم وطيب معايشهم ؟ انتهى . وقيل: اتبع قوله: فتأتيهم بغتة بما يكون منهم عند ذلك على وجه الحسرة . ) فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ ( ، كما يستغيث إليه المرء عند تعذر الخلاص ، لأنهم يعلمون في الآخرة أن لا ملجًا ، لكنهم يقولون ذلك استرواحًا . وقيل: يطلبون الرجعة حين يبغتهم عذاب الساعة ، فلا يجابون إليها .
( أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(: خطاب للرسول عليه السلام بإقامة الحجة عليهم ، في أن مدة الإرجاء والإمهال والإملاء لا تغني إذا نزل العذاب بعدها . وقال عكرمة: سنين ، عمر الدنيا . انتهى . وتقرر في علم العربية أن أرأيت إذا كانت بمعنى أخبرني ، تعدت إلى مفعولين ، أحدهما منصوب والآخر جملة استفهامية . في الغالب تقول العرب: أرأيت زيدًا ما صنع ؟ وما جاء مما ظاهره خلاف ذلك أول ، وتقدم الكلام على ذلك مشبعًا في أوائل سورة الأنعام . وتقول هنا مفعول أرأيت محذوف ، لأنه تنازع على ما يوعدون أرأيت وجاءهم ، فأعمل الثاني فهو مرفوع بجاءهم . ويجوز أن يكون منصوبًا بأرأيت على إعمال الأول ، وأضمر الفاعل في جاءهم . والمفعول الثاني هو قوله: ) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ ( ، وما استفهامية ، أي: أيّ شيء أغنى عنهم تمتعهم في تلك السنين التي متعوها ؟ وفي الكلام محذوف يتضمن الضمير العائد على المفعول الأول ، أي: أيّ شيء أغنى عنهم تمتعهم حين حل ، أي الموعود به ، وهو العذاب ؟ وظاهر ما