"صفحة رقم 44"
نهاه عن التكبر بعد التواضع . والأجدل: الصقر ، ومن المؤمنين عام في عشيرته وغيرهم . ولما كان الإنذار يترتب عليه إما الطاعة وإما العصيان ، جاء التقسيم عليهما ، فكان المعنى: أن من اتبعك مؤمنًا ، فتواضع له ؛ فلذلك جاء قسيمه: ) فَإِنْ عَصَوْكَ ( فتبرأ منهم ومن أعمالهم . وفي هذا موادعة نسختها آية السيف . والظاهر عود الضمير المرفوع في عصوك ، على أن من أمر بإنذارهم ، وهم العشيرة ، والذي برىء منه هو عبادتهم الأصنام واتخاذهم إلهًا آخر . وقيل: الضمير يعود على من اتبعه من المؤمنين ، أي فإن عصوك يا محمد في الأحكام وفروع الإسلام ، بعد تصديقك والإيمان بك ، ( فَقُلْ إِنّى بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ( ، لا منكم ، أي أظهر عدم رضاك بعملهم وإنكارك عليهم . ولو أمره بالبراءة منهم ، ما بقي بعد هذا شفيعًا للعصاة ، ثم أمره تعالى بالتوكل . وقرأ نافع ، وابن عامر ، وأبو جعفر ، وشيبة: فتوكل بالفاء ، وباقي السبعة: بالواو . وناسب الوصف بالعزيز ، وهو الذي لا يغالب ، والرحيم ، وهو الذي يرحمك . وهاتان الصفتان هما اللتان جاءتا في أواخر قصص هذه السورة . فالتوكل على من هو بهذين الوصفين كافية شر من بعضه من هؤلاء وغيرهم ، فهو يقهر أعداءك بعزته ، وينصرك عليهم برحمته . والتوكل هو تفويض الأمر إلى من يملك الأمر ويقدر عليه . ثم وصف بأنه الذي أنت منه بمرأى ، وذلك من رحمته بك أن أهلك لعبادته ، وما تفعله من تهجدك . وأكثر المفسرين منهم ابن عباس ، على أن المعنى حين تقوم إلى الصلاة .
وقرأ الجمهور: )وَتَقَلُّبَكَ ( مضارع قلب مشددًا ، عطفًا على ) يَرَاكَ ). وقال مجاهد وقتادة: ) فِى السَّاجِدِينَ (: في المصلين . وقال ابن عباس: في أصلاب آدم ونوح وإبراهيم حتى خرجت . وقال عكرمة: يراك قائمًا وساجدًا . وقيل: معنى ) تَقُومُ (: تخلو بنفسك . وعن مجاهد أيضًا: المراد تقلب بصره فيمن يصلي خلفه ، كما قال:( أتموا الركوع والسجود فوالله إني لأراكم من خلفي ) . وفي الوجيز لابن عطية: ظاهر الآية أنه يريد قيام الصلاة ، ويحتمل أن يريد سائر التصرفات ، وهو تأويل مجاهد وقتادة . وفي الساجدين: أي صلاتك مع المصلين ، قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما . وقال ابن عباس أيضًا ، وقتادة: أراد وتقلبك في المؤمنين ، فعبر عنهم بالساجدين . وقال ابن جبير: أراد الأنبياء ، أي تقلبك كما تقلب غيرك من الأنبياء . وقال الزمخشري: ذكر ما كان يفعله في جوف الليل من قيامه للتهجد ، وتقلبه في تصفح أحوال المتهجدين من أصحابه ، ليطلع عليهم من حيث لا يشعرون ، ويستبطن سرائرهم وكيف يعملون لآخرتهم . كما يحكى أنه حين نسخ فرض قيام الليل ، طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون ، بحرصه عليهم وعلى ما يوجد منهم من فعل الطاعات وتكثير الحسنات ، فوجدها كبيوت الزنابير ، لما سمع من دندنتهم بذكر الله والتلاوة . والمراد بالساجدين: المصلون . وقيل: معناه يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة ، وتقلبه في الساجدين: تصرفه فيما بينهم لقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم . وعن مقاتل ، أنه سأل أبا حنيفة رضي الله عنه: هل تجد الصلاة في الجماعة في القرآن ؟ فتلا هذه الآية . ويحتمل أن لا يخفى على حالك كلما قمت وتقلبت مع الساجدين في كفاية أمور الدين . انتهى .
( إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ( لما تقوله ، ( الْعَلِيمُ ( بما تنوبه وتعمله ، وذهبت الرافضة إلى أن آباء النبي( صلى الله عليه وسلم ) ) كانوا مؤمنين ، واستدلوا بقوله تعالى: ) وَتَقَلُّبَكَ فِى السَّاجِدِينَ ( قالوا: فاحتمل الوجوه التي ذكرت ، واحتمل أن