"صفحة رقم 59"
والحكل: ما لا يسمع صوته . وذكروا اختلافًا في صغر النملة وكبرها ، وفي اسمها العلم ما لفظه . وليت شعري ، من الذي وضع لها لفظًا يخصها ، أبنو آدم أم النمل ؟ وقالوا: كانت نملة عرجاء ، ولحوق التاء في قالت لا يدل على أن النملة مؤنث ، بل يصح أن يقال في المذكر: قالت نملة ، لأن نملة ، وإن كان بالتاء ، هو مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث . وما كان كذلك ، كالنملة والقملة ، مما بينه في الجمع وبين واحدة من الحيوان تاء التأنيث ، فإنه يخبر عنه إخبار المؤنث ، ولا يدل كونه يخبر عنه إخبار المؤنث على أنه ذكر أو أنثى ، لأن التاء دخلت فيه للفرق ، لا دالة على التأنيث الحقيقي ، بل دالة على الواحد من هذا الجنس .
وقال الزمخشري ، وعن قتادة: أنه دخل الكوفة ، فالتف عليه الناس فقال: سلوا عما شئتم . وكان أبو حنيقة حاضرًا ، وهو غلام حدث ، فقال: سلوه عن نملة سليمان ، أكانت ذكرًا أم أنثى: فسألوه فأفحم ، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى . فقيل له: من أين عرفت ؟ فقال: من كتاب الله ، وهو قوله: ) قَالَتْ نَمْلَةٌ ( ، ولو كان ذكرًا لقال قال نملة . قال الزمخشري: وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى ، فيميز بينهما بعلامة ، نحو قولهم: حمامة ذكر وحمامة أنثى ، وهو وهي . انتهى . وكان قتادة بن دعامة السدوسي بصيرًا بالعربية ، وكونه أفحم ، يدل على معرفته باللسان ، إذ علم أن النملة يخبر عنها إخبار المؤنث ، وإن كانت تنطلق على الأنثى والذكر ، إذ هو مما لا يتميز فيه أحد هذين ، فتذكيره وتأنيثه لا يعلم ذلك من إلحاق العلامة للفعل فتوقف ، إذ لا يعلم ذلك إلا بوحي من الله . وأما استنباط تأنيثه من كتاب الله من قوله: ) قَالَتْ نَمْلَةٌ( ، ولو كان ذكرًا لقال: قال نملة ، وكلام النحاة على خلافه ، وأنه لا يخبر عنه إلا إخبار المؤنث ، سواء كان ذكرًا أم أنثى . وأما تشبيه الزمخشري النملة بالحمامة والشاة ، فبينهما قدره مشترك ، وهو إطلاقهما على الذكر والمؤنث ، وبينهما فرق ، وهو أن الحمامة والشاة يتميز فيهما المذكر من المؤنث ، فيمكن أن تقول: حمامة ذكر وحمامة أنثى ، فتميز بالصفة . وأما تمييزه بهو وهي ، فإنه لا يجوز . لا تقول: هو الحمامة ، ولا هو الشاة ؛ وأما النملة والقملة فلا يتيمز فيه المذكر من المؤنث ، فلا يجوز فيه في الإخبار إلا التأنيث ، وحكمه حكم المؤنث بالتاء من الحيوان العاقل نحو: المرأة ، أو غير العاقل كالدابة ، إلا أن وقع فصل بين الفعل وبين ما أسند إليه من ذلك ، فيجوز أن تلحق العلامة الفعل ، ويجوز أن لا تلحق ، على ما قرر ذلك في باب الإخبار عن المؤنث في علم العربية .
وقرأ الحسن ، وطلحة ، ومعتمر بن سليمان ، وأبو سليمان التيمي: نملة ، بضم الميم كسمرة ، وكذلك النمل ، كالرجلة والرجل لعتان . وعن سليمان التيمي: نمل ونمل بضم النون والميم ، وجاء الخطاب بالأمر ، كخطاب من يعقل في قوله: )أَدْخِلُواْ ( وما بعده ، لأنها أمرت النمل كأمر من يعقل ، وصدر من النمل الامتثال لأمرها . وقرأ شهر بن حوشب: مسكنكم ، على الإفراد . وعن أبي: أدخلن مساكنكن لا يحطمنكم: مخففة النونن التي قبل الكاف . وقرأ الحسن ، وأبو رجاء ، وقتادة ، وعيسى بن عمر الهمداني ، الكوفي ، ونوح القاضي: بضم الياء وفتح الحاء وشد الطاء والنون ، مضارع حطم مشددًا . وعن الحسن: بفتح الياء وإسكان الحاء وشد الطاء ، وعنه كذلك مع كسر الحاء ، وأصله: لا يحطتمنكم من الاحتطام . وقرأ ابن أبي إسحاق ، وطلحة ، ويعقوب ، وأبو عمرو في رواية عبيد: كقراءة الجمهور ، إلا أنهم سكنوا نون التوكيد . وقرأ الأعمش: بحذف النون وجزم الميم ، والظاهر أن قوله: ) لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ ( ، بالنون خفيفة أو شديدة ، نهي مستأنف ، وهو من باب: لا أرينك