فهرس الكتاب

الصفحة 3281 من 4224

"صفحة رقم 95"

هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتقنها وأتى بها على الحكمة والصواب ، حيث قال: ) صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء ( ، يعني ؛ أن مقابلته الحسنة بالثواب ، والسيئة بالعقاب ، من جملة أحكامه للأشياء وإتقانه لها واجرائه لها على قضايا الحكمة أنه عالم بما يفعل العباد ، وبما يستوجبون عليه ، فيكافئهم على حسب ذلك . ثم لخص ذلك بقوله: ) مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ ( ، إلى آخر الآيتين . فانظر إلى بلاغة هذا الكلام ، وحسن نظمه وترتيبه ، ومكانة إضماده ، ورصانة تفسيره ، وأخذ بعضه بحجزة بعض ، كأنما أفرغ إفراغًا واحدًا ، وما لأمر أعجز القوى وأخرس الشقاشق ، ونحو هذا المصدر ، إذا جاء عقيب كلام ، جاء كالشاهد لصحته ، والمنادى على سداده ، وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا كما كان . ألا ترى إلى قوله: ) صُنْعَ اللَّهِ ( ، و ) صِبْغَةَ اللَّهِ ( ، و ) وَعَدَ اللَّهُ ( ، و ) عَبْدُ اللَّهِ ( ؟ بعد ما رسمها بإضافتها إليه تسمية التعظيم ، كيف تلاها بقوله: ) الَّذِى أَتْقَنَ كُلَّ شَىْء وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ( ، ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ( ، ( لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ( ؟ انتهى . وهذا الذي ذكر من شقاشقه وتكثيره في الكلام ، واحتياله في إدارة ألفاظ القرآن لما عليه ، من مذاهب المعتزلة .

والذي يظهر أن صنع الله مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة ، وهي جملة الحال ، أي صنع الله بها ذلك ، وهو قلعها من الأرض ، ومرّها مرًّا مثل مر السحاب . وأما قوله: إلا أن مؤكده محذوف ، وهو الناصب ليوم ينفخ إلى قوله صنع الله ، يريد به الإثابة والمعاقبة ، فذلك لا يصح ، لأن المصدر المؤكد لمضمون الجملة لا يجوز حذف جملته ، لأنه منصوب بفعل من لفظه ، فيجتمع حذف الفعل الناصب وحذف الجملة التي أكد مضمونها بالمصدر ، وذلك حذف كثير مخل . ومن تتبع مساق هذه المصادر التي تؤكد مضمون الجملة ، وجد الجمل مصرحًا بها ، لم يرد الحذف في شيء منها ، إذ الأصل أن لا يحذف المؤكد ، إذ الحذف ينافي التوكيد ، لأنه من حيث أكد معتني به ، ومن حيث حذف غير معتني به . وقيل: انتصب صنع الله على الإغراء بمعنى ، انظروا صنع الله . وقرأ العربيان ، وابن كثير: يفعلون بالياء ؛ وباقي السبعة بتاء الخطاب .

ولما ذكر علامات القيامة ، ذكر أحوال المكلفين بعد قيام الساعة .

( والحسنة(: الإيمان . وقال ابن عباس ، والنخعي ، وقتادة: هي لا إله إلا الله ، ورتب على مجيء المكلف بالحسنة شيئين: أحدهما: أنه له خير منها ، ويظهر أن خيرًا ليس أفعل تفضيل ، ومن لابتداء الغاية ، أي له خير من الخيور مبدؤه ونشؤه منها ، أي من جهة هذه الحسنة ، والخير هنا: الثواب . وهذا قول الحسن ، وابن جريج ، وعكرمة . قال عكرمة: ليس شيء خيرًا من لا إله إلا الله ، يريد أنها ليست أفعل التفضيل . وقيل: أفعل التفضيل . فقال الزمخشري: ) بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا ( ، يريد الإضعاف ، وأن العمل ينقضي والثواب يدوم ، وشتان ما بين فعل العبد وفعل السيد . انتهى . وقوله: وشتان ما بين فعل العبد وفعل السيد ، تركيب مختلف فيه ، فبعض العلماء منعه ، والصحيح جوازه . وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون للتفضيل ، ويكون في قوله: ) مِنْهَا ( ، حذف مضاف تقديره: خير من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت