فهرس الكتاب

الصفحة 3298 من 4224

"صفحة رقم 112"

كانت مصدرية ، تتقدر بالمفرد ، والمفرد لا يكون خبرًا لضمير الشأن ، فتخريج هذه القراءة على أن تكون إن تفسيرية ، وإن معمول لمضمر تقديره: إني يا موسى أعلم إني أنا الله .

وجاء في طه: ) نُودِىَ يامُوسَى مُوسَى إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ ( ، وفي النمل: ) نُودِىَ أَن بُورِكَ مَن فِى النَّارِ ( ، وهنا: ) نُودِىَ مِن شَاطِىء ( ، ولا منافاة ، إذ حكى في كل سورة بعض ما اشتمل عليه ذلك النداء . والجمهور: على أنه تعالى كلمه في هذا المقام من غير واسطة . وقال الحسن: ناداه نداء الوحي ، لا نداء الكلام . وتقدم الكلام على نظير قوله: ) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقّبْ ( ، ثم أمره فقال: ) اسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ ( ، وهو فتح الجبة من حيث تخرج الرأس ، وكان كم الجبة في غاية الضيق . وتقدّم الكلام على: ) تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء ( وفسر الجناح هنا باليد وبالعضد وبالعطاف ، وبما أسفل من العضد إلى الرسغ ، وبجيب مدرعته . والرهب: الخوف ، وتأتي القراءات فيه . وقيل: بفتح الراء والهاء: الكم ، بلغة بني حنيفة وحمير ، وسمع الأصمعي قائلًا يقول: اعطني ما في رهبك ، أي في كمك ، والظاهر حمل: ) وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ( على الحقيقة .

قال الثوري: خاف موسى أن يكون حدث به سوء ، فأمره تعالى أن يعيد يده إلى جيبه لتعود على حالتها الأولى ، فيعلم موسى أنه لم يكن سوءًا بل آية من الله . وقال مجاهد ، وابن زيد: أمره بضم عضده وذراعه ، وهو الجناح ، إلى جنبه ، ليخف بذلك فزعه . ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في وقت فزعه أن يقوي قلبه . وقيل: لما انقلبت العصا حية ، فزع موسى واضطرب ، فاتقاها بيده ، كما يفعل الخائف من الشيء ، فقيل له: أدخل يدك تحت عضدك مكان اتقائك بها ، ثم أخرجها بيضاء لتظهر معجزة أخرى ، وهذا القول بسطه الزمخشري ، لأنه كالتكرار لقوله: )اسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ ). وقد قال هو والجناح هنا اليد ، قال: لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر ، وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضده اليسرى ، فقد ضم جناحه إليه . وقيل: المعنى إذا هالك أمر لما يغلب من شعاعها ، فاضممها إليك تسكن . وقالت فرقة: هو مجاز أمره بالعزم على ما أمره به ، كما تقول العرب: أشدد حيازيمك واربط جأشك ، أي شمر في أمرك ودع الرهب ، وذلك لما كثر تخوفه وفزعه في غير موطن ، قاله أبو علي ، وكأنه طيره الفزع ، وآلة الطيران الجناح . فقيل له: اسكن ولا تخف ، وضم منشور جناحك من الخوف إليك ، وذكر هذا القول الزمخشري ، فقال والثاني أن يراد بضم جناحه إليه: تجلده وضبطه نفسه وتشدده عند انقلاب العصا حية ، حتى لا يضطرب ولا يرهب ، استعارة من فعل الطائر ، لأنه إذا خاف نشر جناحيه وأرخاهما ، وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران . ومعنى ) مِنَ الرَّهْبِ (: من أجل الرهب ، أي إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية ، فاضمم إليك جناحك . جعل الرهب الذي كان يصيبه سببًا وعلة فيما أمر به من ضم جناحه إليه . ومعنى: ) وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ( ، وقوله: ) اسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ ( على أحد التفسيرين واحد ، ولكن خولف بين العبارتين ، وإنما كرر المعنى الواحد لاختلاف الغرضين ، وذلك أن الغرض في أحدهما خروج اليد بيضاء ، وفي الثاني إخفاء الرهب . فإن قلت: قد جعل الجناح ، وهو اليد ، في أحد الموضعين مضمومًا وفي الآخر مضمومًا إليه ، وذلك قوله: ) وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ( ، ( وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ ( ، فما التوفيق بينهما ؟ قلت: المراد بالجناح المضموم هو اليد اليمنى ، وبالمضموم إليه اليد اليسرى ، وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح . ومن بدع التفاسير أن الرهب: الكم ، بلغة حمير ، وأنهم يقولون: اعطني ما في رهبك ؛ وليت شعري ؛ كيف صحته في اللغة ؟ وهل سمع من الأثبات الثقات التي ترضي عربيتهم ؟ ثم ليت شعري: كيف موقعه في الآية ؟ وكيف يعطيه الفصل كسائر كلمات التنزيل ؟ على أن موسى ، صلوات الله عليه ، ما كان عليه ليلة المناجاة إلاّ زرماتقة من صوف ، لا كمين لها . انتهى . أما قوله: وهل سمع من الأثبات ؟ وهذا مروي عن الأصمعي ، وهو ثقة ثبت . وأما قوله: كيف موقعه من الآية ؟ فقالوا: معناه أخرج يدك من كمك ، وكان قد أخذ العصا بالكم . وقرأ الحرميان ، وأبو عمرو: من الرهب ، بفتح الراء والهاء ؛ وحفص: بفتح الراء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت