فهرس الكتاب

الصفحة 3303 من 4224

"صفحة رقم 117"

وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى من الطور ، وكتب الله له في الألواح . والأمر المقضي إلى موسى: الوحي الذي أوحى إليه . والخطاب لرسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، يقول: وما كنت حاضرًا المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى ، ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه ، أو على الوحي إليه ، وهم نقباؤه الذين اختارهم للميقات ، حتى نقف من جملة المشاهدة على ما جرى من أمر موسى في ميقاته ، وكتب التوراة له في الألواح ، وغير ذلك . فإن قلت: كيف يتصل قوله: ) وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا ( بهذا الكلام ، ومن أي جهة يكون استدراكًا ؟ قلت: اتصاله به وكونه استدراكًا من حيث أن معناه: ولكنا أنشأنا بعد عهد الوحي إلى عهدك قرونًا كثيرة ، فتطاول على آخرهم ، وهو القرن الذي أنت فيهم .

( الْعُمُرُ(: أي أمد انقطاع الوحي ، واندرست العلوم ، فوجب إرسالك إليهم ، فأرسلناك وكسبناك العلم بقصص الأنبياء وقصة موسى ، كأنه قال: وما كنت شاهدًا لموسى وما جرى عليه ، ولكنا أوحيناه إليك ، فذكر سبب الوحي الذي هو إطالة النظرة ، ودل به على المسبب على عادة الله في اختصاره . فإذن ، هذا الاستدراك شبيه للاستدراكين بعده . ) وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا (: أي مقيمًا في أهل مدين ، هم شعيب والمؤمنون . ) تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَاتِنَا (: تقرأ عليهم تعلمًا منهم ، يريد الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه . ولكنا أرسلناك وأخبرناك بها وعلمناكها . ) إِذْ نَادَيْنَا ( ، يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه ، ولكن علمناك . وقيل: ) فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ( ، وفترت النبوة ، ودرست الشرائع ، وحرف كثير منها ؛ وتمام الكلام مضمر تقديره: وأرسلناك مجددًا لتلك الأخبار ، مميزًا للحق بما اختلف فيه منها ، رحمة منا . وقيل: يحتمل أن يكون المعنى: وما كنت من الشاهدين في ذلك الزمان ، وكانت بينك وبين موسى قرون تطاولت أعمارهم ، وأنت تخبر الآن عن تلك الأحوال أخبار مشاهدة وعيان بإيحائنا ، معجزة لك . وقيل: تتلو حال ، وقيل: مستأنف ، أي أنت الآن تتلو قصة شعيب ، ولكنا أرسلناك رسولًا ، وأنزلنا عليك كتابًا فيه هذه الأخبار المنسية تتلوها عليهم ، ولولاك ما أخبرتهم بما لم يشاهدوه .

وقال الفراء: )وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا ( في أيهل مدين مع موسى ، فتراه وتسمع كلامه ، وها أنت ) تَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايَاتِنَا (: أي على أمتك ، فهو منقطع . انتهى . قيل: وإذا لم يكن حاضرًا في ذلك المكان ، فما معنى: ) وَمَا كنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ( ؟ فقال ابن عباس: التقدير: لم تحضر ذلك الموضع ، ولو حضرت ، فما شاهدت تلك الوقائع ، فإنه يجوز أن يكون هناك: ولا يشهد ولا يرى . وقال مقاتل: لم يشهد أهل مدين فيقرأ على أهل مكة خبرهم ، ولكنا أرسلناك إلى أهل مكة ، وأنزلنا إليك هذه الأخبار ، ولولا ذلك ما علمت . وقال الضحاك: يقول إنك يا محمد لم تكن الرسول إلى أهل مدين ، تتلو عليهم آيات الكتاب ، وإنما كان غيرك ، ولكنا كنا مرسلين في كل زمان رسولًا ، فأرسلنا إلى مدين شعيبًا ، وأرسلناك إلى العرب لتكون خاتم الأنبياء . انتهى .

وقال الطبري: )إِذْ نَادَيْنَا ( بأن: ) خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ). وعن أبي هريرة: أنه نودي من السماء حينئذ يا أمة محمد استجبت لكم قبل أن تدعوني ، وغفرت لكم قبل أن تسألوني ، فحينئذ قال موسى عليه السلام: اللهم اجعلني من أمة محمد . فالمعنى: إذ نادينا بأمرك ، وأخبرناك بنبوتك . وقرأ الجمهور: ) رَحْمَةً ( ، بالنصب ، فقدر: ولكن جعلناك رحمة ، وقدر أعلمناك ونبأناك رحمة . وقرأ عيسى ، وأبو حيوة: بالرفع ، وقدر: ولكن هو رحمة ، أو هو رحمة ، أو أنت رحمة . ) لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مّن نَّذِيرٍ (: أي في زمن الفترة بينك وبين عيسى ، وهو خمسمائة وخمسون عامًا ونحوه . وجواب ) لَوْلاَ ( محذوف . والمعنى: لولا أنهم قائلون ، إذ عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي ، هلا أرسلت إلينا رسولًا ؟ لولا أنهم قائلون ، إذ عوقبوا بما قدموا من الشرك والمعاصي ، هلا أرسلت إلينا رسولًا ؟ محتجين بذلك علينا ما أرسلنا إليهم: أي إنما أرسلنا الرسل إزالة لهذا العذر ، كما قال: ) لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ( ، أن ) تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ ). وتقدير الجواب: ما أرسلنا إليهم الرسل ، هو قول الزجاج . وقال ابن عطية: تقديره: لعاجلناهم بما يستحقونه . والمصيبة: العذاب . ولما كان أكثر الأعمال تزاول بالأيدي ، عبر عن كل عمل باجتراح الأيدي ، حتى أعمال القلوب ، اتساعًا في الكلام ، وتصيير الأقل تابعًا للأكثر ، وتغليب الأكثر على الأقل . والفاء في ) فَيَقُولُواْ ( للعطف على نصيبهم ، ولولا الثانية للتحضيض . وفنتبع: الفاء فيه جواب للتحضيض .

وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف استقام هذا المعنى ، وقد جعلت العقوبة هي السبب في الإرسال لا القول لدخول حرف الامتناع عليها دونه ؟ قلت: القول هو المقصود بأن يكون سببًا لإرسال الرسل ، ولكن العقوبة ، لما كانت هي السبب للقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت