فهرس الكتاب

الصفحة 3340 من 4224

"صفحة رقم 154"

غربة في بلاد لا دار لنا ، ولا فيه عقار ، ولا من يطعم . فمثل لهم بأكثر الدواب التي تتقوت ولا تدّخر ، ولا تروّي في رزقها ، ولا تحمل رزقها ، من الحمل: أي لا تنقل ، ولا تنظر في إدخار ، قاله مجاهد ، وأبو مجلز ، وعلي بن الأقمر . والإدخار جاء في حديث: ( كيف بك إذا بقيت في حثالة من حثالة الناس يخبئون رزق سنة لضعف اليقين ؟ ) قيل: ويجوز أن يكون من الحمالة التي لا تتكفل لنفسها ولا تروى . وقال الحسن: ) لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا (: لا تدخر ، إنما تصبح فيرزقها الله . وقال ابن عباس: لا يدخر إلا الآدمي والنمل والفأرة والعقعق ، وقيل: البلبل يحتكر في حضنيه ، ويقال: للعقعق مخابىء ، إلا أنه ينساها . وانتفاء حملها لرزقها ، إما لضعفها وعجزها عن ذلك ، وإما لكونها خلقت لا عقل لها ، فيفكر فيما يخبؤه للمستقبل: أي يرزقها على ضعفها . ) وَإِيَّاكُمْ (: أي على قدرتكم على الاكتساب ، وعلى التحيل في تحصيل المعيشة ، ومع ذلك فرازقكم هو الله ، ( وَهُوَ السَّمِيعُ ( لقولكم: نخشى الفقر ، ( الْعَلِيمُ( بما انطوت عليه ضمائركم .

ثم أعقب تعالى ذلك بإقرارهم بأن مبدع العالم ومسخر النيرين هو الله . وأتبع ذلك ببسط الرزق وضيقه ، فقال: )اللَّهُ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَنْ يَشَاء ( أن يبسطه ، ( وَيَقْدِرُ( لمن يشاء أن يقدره . والضمير في له ظاهره العود على من يشاء ، فيكون ذلك الواحد يبسط له في وقت ، ويقدر في وقت . ويجوز أن يكون الضمير عائدًا عليه في اللفظ ، والمراد لمن يشاء آخر ، فصار نظير: ) وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ (: أي من عمر معمر آخر . وقولهم: عندي درهم ونصفه: أي ونصف درهم آخر ، فيكون المبسوط له الرزق غير المضيق عليه الرزق . وقرأ علقمة الحمصي: ويقدر: بضم الياء وفتح القاف وشد الدال ، ( عَلِيمٌ(: يعلم ما يصلح العباد وما يفسدهم .

ولما أخبر بأنهم مقرون بأن موجد العالم ، ومسخر النيرين ، ومحيي الأرض بعد موتها هو الله ، كان ذلك الإقرار ملزمًا لهم أن رازق العباد إنما الله هو المتكفل به . وأمر رسوله بالحمد له تعالى ، لأن في إقرارهم توحيد الله بالإبداع ونفي الشركاء عنه في ذلك ، وكان ذلك حجة عليهم ، حيث أسندوا ذلك إلى الله وعبدوا الأصنام . )بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ( ، حيث يقرون بالصانع الرازق المحيي ، ويعبدون غيره .

( وَمَا هَاذِهِ الْحَيَواةُ الدُّنْيَا(: الإشارة بهذه ازدراء للدنيا وتصغير لأمرها ، وكيف لا ؟ وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة ، أي ما هي في سرعة زوالها عن أهلها وموتهم عنها ، إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون . والحيوان ، والحياة بمعنى واحد ، وهو عند الخليل وسيبويه مصدر حيي ، والمعنى: لهي دار الحياة ، أي المستمرة التي لا تنقطع . قال مجاهد: لا موت فيها . وقيل: الحيوان: الحي ، وكأنه أطلق على الحي اسم المصدر . وجعلت الدار الآخرة حيًا على المبالغة بالوصف بالحياة ، وظهور الواو في الحيوان وفي حيوة ، علم لرجل استدل به من ذهب إلى أن الواو في مثل هذا التركيب تبدل ياء لكسر ما قبلها ، نحو: شقي من الشقوة . ومن ذهب إلى أن لام الكلمة لامها ياء ، زعم أن ظهور الواو في حيوان وحيوة بدل من ياء شذوذًا ، وجواب لو محذوف ، أي لو كانوا يعلمون ، لم يؤثروا دار الفناء عليها . وجاء بنا مصدر حي على فعلان ، لأنه يدل على الحركة والاضطراب ، كالغليان ، والنزوان ، واللهيان ، والجولان ، والطوفان . والحي: كثير الاضطراب والحركة ، فهذا البناء فيه لكثرة الحركة .

ولما ذكر تعالى أنهم مقرون بالله إذا سئلوا: من خلق العالم ؟ )وَمِنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء ( ؟ ذكر أيضًا حالة أخرى يرجعون فيها إلى الله ، ويقرون بأنه هو الفاعل لما يريد ، وذلك حين ركوب البحر واضطراب أمواجه واختلاف رياحه . وقال الزمخشري: فإن قلت: بم اتصل قوله: ) فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الْفُلْكِ ( ؟ قلت: بمحذوف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت