فهرس الكتاب

الصفحة 3348 من 4224

"صفحة رقم 162"

ومعناه: أن الحمد واجب على أهل السموات وأهل الأرض ، وكان الحسن يذهب إلى أن هذه الآية مدنية ، لأنه كان يقول: فرضت الخمس بالمدينة . وقال الأكثرون: بل فرضت بمكة ؛ وفي التحرير ، اتفق المفسرون على أن الخمس داخلة في هذه الآية . وعن ابن عباس: ما ذكرت الخمس إلا فيها ، وقدم الإمساء على الإصباح ، كما قدم في قول ) يُولِجُ الَّيْلَ فِى النَّهَارِ ( ، والظلمات على النور ، وقابل بالعشي الإمساء ، وبالإظهار الإصباح ، لأن كلا منهما يعقب بما يقابله ؛ فالعشي يعقبه الإمساء ، والإصباح يعقبه الإظهار . ولما لم يتصرف من العشي فعل ، لا يقال أعشى ، كما يقال أمسى وأصبح وأظهر ، جاء التركيب ) وَعَشِيًّا ). وقرأ عكرمة: حينا تمسون وحينا تصبحون ، بتنوين حين ، والجملة صفة حذف منها العائد تقديره: تمسون فيه وتصبحون فيه . ولما ذكر الإبداء والإعادة ، ناسب ذكره: ) يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيّتِ ( ، وتقدم الكلام على هذه الآية في آل عمران . ) وَكَذالِكَ (: أي مثل ذلك الإخراج ، والمعنى: تساوي الإبداء والإعادة في حقه تعالى . وقرأ الجمهور: ) تُخْرَجُونَ( ، بالتاء المضمومة ، مبنيًا للمفعول ؛ وابن وثاب وطلحة والأعمش: بفتح تاء الخطاب وضم الراء .

ثم ذكر تعالى آياته من بدء خلق الإنسان ، آية آية ، إلى حين بعثه من القبر فقال: )وَمِنْ ءايَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ (: جعل خلقهم من تراب ، حيث كان خلق أباهم آدم من تراب . و ) تَنتَشِرُونَ (: تتصرفون في أغراضكم بثم المقتضية المهلة والتراخي . ونبه تعالى على عظيم قدرته بخلق الإنسان من تراب ، وهو أبعد الأشياء عن درجة الإحياء ، لأنه بارد يابس ، والحياة بالحرارة والرطوبة ، وكذا الروح نير وثقيل ، والروح خفيف وساكن ، والحيوان متحرك إلى الجهات الست ، فالتراب أبعد من قبول الحياة من سائر الأجسام . ) مّنْ أَنفُسِكُمْ (: فيها قولًا ) وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ( ، إما كون حواء خلقت من ضلع آدم ، وأما من جنسكم ونوعكم . وعلل خلق الأزواج بالسكون إليها ، وهو الإلف . فمتى كان من الجنس ، كان بينهما تألف ، بخلاف الجنسين ، فإن يكون بينهما التنافر ، وهذه الحكمة في بعث الرسل من جنس بني آدم . ويقال: سكن إليه: مال ، ومنه السكن: فعل بمعنى مفعول . ) مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً (: أي بالأزواج ، بعد أن لم يكن سابقة تعارف يوجب التواد . وقال مجاهد والحسن وعكرمة: المودة: النكاح ، والرحمة: الولد ، كنى بذلك عنهما . وقيل: مودّة للشابة ، ورحمة للعجوز . وقيل: مودة للكبير ، ورحمة للصغير . وقيل: هما اشتباك الرحم . وقيل: المودة من الله ، والبغض من الشيطان .

( وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ(: أي لغاتكم ، فمن اطلع على لغات رأى من اختلاف تراكيبها أو قوانينها ، مع اتحاد المدلول ، عجائب وغرائب في المفردات والمركبات . وعن وهب: أن الألسنة اثنان وسبعون لسانًا ، في ولد حام سبعة عشر ، وفي ولد سام تسعة عشر ، وفي ولد يافث ستة وثلاثون . وقيل: المراد باللغات: الأصوات والنغم . وقال الزمخشري: الألسنة: اللذات وأجناس النطف وأشكاله . خالف عز وجل بين هذه الأشياء حتى لا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس واحد ، ولا جهارة ، ولا حدة ، ولا رخاوة ، ولا فصاحة ، ولا لكنة ، ولا نظم ، ولا أسلوب ، ولا غير ذلك من صفات النطق وأحواله . انتهى . ) وَأَلْوانِكُمْ (: السواد والبياض وغيرهما ، والأنواع والضروب بتخطيط الصور ، ولولا ذلك الاختلاف ، لوقع الالتباس وتعطلت مصالح كثيرة من المعاملات وغيرها . وفيه آية بينة ، حيث فرعوا من أصل واحد ، وتباينوا في الأشكال على كثرتهم . وقرأ الجمهور: ) لّلْعَالَمِينَ ( ، بفتح اللام ، لأنها في نفسها آية منصوبة للعالم . وقرأ حفص وحماد بن شعيب عن أبي بكر ، وعلقمة عن عاصم ، ويونس عن أبي عمرو: بكسر اللام ، إذ المنتفع بها إنما هم أهل العلم ، كقوله: ) وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ ). والظاهر أن ) الَّذِينَ يُنفِقُونَ ( متعلق ) بمنامكم ( ، فامتن تعالى بذلك ، لأن النهار قد يقام فيه ، وخصوص من كل مشتغلًا في حوائجه بالليل . ) وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مّن فَضْلِهِ(: أي فيهما ، أي في الليل والنهار معًا ، لأن بعض الناس قد يبتغي الفعل بالليل ، كالمسافرين والحراس بالليل وغيرهم .

وقال الزمخشري: هذا من باب اللف ، وترتيبه: )وَمِنْ ءايَاتِهِ مَنَامُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ ( ، ولأنه فصل بين الفريقين الأولين بالقرينين الآخرين لأنهما زمانان ، والزمان والواقع فيه كشيء واحد مع إعانة اللف على ذلك ، ويجوز أن يراد ) مَنَامُكُم ( في الزمانين ، ( وَابْتِغَاؤُكُمْ مّن فَضْلِهِ( فيهما . والظاهر هو الأول لتكرره في القرآن ، وأسد المعاني ما دل عليه القرآن . وقال ابن عطية: وقال بعض المفسرين: في الكلام تقديم وتأخير ، وهذا ضعيف ، وإنما أراد أن ترتب النوم في الليل والابتغاء للنهار ، ولفظ الآية لا يعطي ذلك . ) وَمِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت