فهرس الكتاب
"صفحة رقم 235"
ابتغيت ممن عزلت ومن عزلت سواء ، لا جناح عليك . كما تقول: من لقيك ممن لم يلقك ، جميعهم لك شاكر ، تريد من لقيك ومن لم يلقك ، وفي هذا الوجه حذف المعطوف ، وغرابة في الدلالة على هذا المعنى بهذا التركيب ، والراجح القول الأول . وقال الحسن: المعنى: من مات من نسائك اللواتي عندك ، أو خليت سبيلها ، فلا جناح عليك أن تستبدل عوضها من اللاتي أحللت لك ، فلا تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك . وقال الزمخشري: بمعنى تترك مضاجع من تشاء منهن وتضاجع من تشاء ، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء ، أو لا تقسم لأيتهن شئت وتقسم لمن شئت ، أو تترك من تشاء من أمتك وتتزوج من شئت . وعن الحسن: كان النبي / ( صلى الله عليه وسلم ) ) إذا خطب امرأة لم يكن لأحد أن يخطبها حتى يدعها ، وهذه قسمة جامعة لما هو الغرض ، لأنه إما أن يطلق ، وأما أن يمسك . فإذا أمسك ضاجع ، أو ترك وقسم ، أو لم يقسم . وإذا طلق وعزل ، فإما أن يخلي المعزولة لا يتبعها ، أو يتبعها . وروي أنه ارجأ منهن: سودة ، وجويرية ، وصفية ، وميمونة ، وأم حبيبة . فكان يقسم لهن ما شاء كما شاء ، وكانت ممن أوى إليه: عائشة ، وحفصة ، وأم سملة ، وزينب ، أرجأ خمسًا وأوى أربعًا . وروي أنه كان يسوي بينهن مع ما أطلق له وخير فيه إلا سودة ، فإنها وهبت نفسها لعائشة وقالت: لا تطلقني حتى أحشر في زمرة نسائك . انتهى . ذلك التفويض إلى مشيئتك أدنى إلى قرة عيونهن وانتفاء حزنهن ووجود رضاهن ، إذا علمت أن ذلك التفويض من عند الله ، فحالة كل منهن كحالة الأخرى في ذلك .
وقرأ الجمهور: ) ءانٍ (: مبنيًا للفاعل من قرت العين ؛ وابن محيصن: يقر من أقرأ عينهن بالنصب ، وفاعل تقر ضميرالخطاب ، أي أنت . وقرىء: تقر مبنيًا للمفعول ، وأعينهن بالرفع . وقرأ الجمهور: ) بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ ( بالرفع ، تأكيدًا النون ) يرضين ( ؛ وأبو إياس حوبة بن عائد: بالنصب تأكيدًا لضمير النصب في ) بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ ). ) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ (: عام . قال ابن عطية: والإشارة به ههنا إلى ما في قلب رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) من محبة شخص دون شخص ، ويدخل في المعنى المؤمنون . وقال الزمخشري ، وعبيدة: من لم يرض منهن بما يريد الله من ذلك ، وفوض إلى مشيئة رسوله ، وبعث على تواطؤ قلوبهن ، والتصافي بينهن ، والتوافق على طلب رضا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، وما فيه طيب نفسه . انتهى . ) وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ( بما انطوت عليه القلوب ، ( حَلِيمًا (: يصفح عما يغلب على القلب من المسؤول ، إذ هي مما لا يملك غالبًا . واتفقت الروايات على أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يعدل بينهن في القسمة حتى مات ، ولم يستعمل شيئًا مما أبيح له ، ضبطًا لنفسه وأخذًا بالفضل ، غير ما جرى لسودة مما ذكرناه .
( لاَّ يَحِلُّ لَكَ النّسَاء مِن بَعْدُ(: الظاهر أنها محكمة ، وهو قول أبيّ بن كعب وجماعة ، منهم الحسن وابن سيرين ، واختاره الطبري . ومن بعد المحذوف منه مختلف فيه ، فقال أبيّ ، وعكرمة ، والضحاك: ومن بعد اللواتي أحللنا لك في قوله: ) إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْواجَكَ ). فعلى هذا المعنى ، لا تحل لك النساء من بعد النساء اللاتي نص عليهن أنهن يحللن لك من الأصناف الأربعة: لا أعرابية ، ولا عربية ، ولا كتابية ، ولا أمة بنكاح . وقال ابن عباس ، وقتادة: من بعد ، لأن التسع نصاب رسول الله من الأزواج ، كما أن الأربع نصاب أمته منهن . قال: لما خيرن فاخترن الله ورسوله ، جازاهن الله أن حظر عليه النساء غيرهن وتبديلهن ، ونسخ بذلك ما أباحه له قبل من التوسعة في جميع النساء . وقال مجاهد ، وابن جبير: وروي عن عكرمة: من بعد ، أي من بعد إباحة النساء على العموم ، ولا تحل لك النساء غير المسلمات من يهودية ولا نصرانية . وكذلك: ) وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ (: أي بالمسلمات من أزواج يهوديات ونصرانيات . وقيل: في قوله ) وَلاَ أَن تَبَدَّلَ ( ، هو من البدل الذي كان في الجاهلية . كان يقول الرجل: بادلني بامرأتك وأبادلك بامرأتي ، فينزل كل واحد منهما عن امرأته للآخر . قال معناه ابن زيد ، وأنه كان في الجاهلية ، وأنكر هذا القول الطبري وغيره في معنى الآية ، وما فعلت العرب قط هذا . وما روي من حديث عيينة بن حصن أنه قال لرسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ، حين دخل عليه بغير استئذان ، وعنده عائشة . من هذه الحميراء ؟ فقال: ( عائشة ) ، فقال عيينة: يا رسول الله ، إن شئت نزلت لك عن سيدة نساء العرب جمالًا: ونسبًا ، فليس بتبديل ، ولا أراد