فهرس الكتاب

الصفحة 3458 من 4224

"صفحة رقم 272"

)وَمَا أَرْسَلْنَا ( الآية: هذه تسلية لرسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ، مما مني به من قومه قريش ، من الكفر والافتخار بالأموال والأولاد . وإن ما ذكروا من ذلك هو عادة المترفين مع أنبيائهم ، فلا يهمنك أمرهم و . ) مّن نَّذِيرٍ (: عام ، أي تنذرهم بعذاب الله إن لم يوحدوه . و ) قَالَ مُتْرَفُوهَا (: جملة حالية ، ونص على المترفين لأنهم أول المكذبين للرسل ، لما شغلوا به من زخرفة الدنيا وما غلب على عقولهم منها ، فقلوبهم أبدًا مشغولة منهمكة بخلاف الفقراء . فإنهم خالون من مستلذات الدنيا ، فقلوبهم أقبل للخير ، ولذلك هم أتباع الأنبياء ، كما جاء في حديث هرقل . وبما متعلق بكافرون ، وبه متعلق بأرسلتم ، وما عامة في ما جاءت به النذر من طلب الإيمان بالله وإفراده بالعبادة والأخبار بأنهم رسله إليهم ، والبعث والجزاء على الأعمال . والظاهر أن الضمير في ) وَقَالُواْ ( عائد على المترفين ؛ وقيل: عائد على قريش ، ويدل عليه ما بعده من الخطاب في قوله: ) قُلْ ( ، لأن من تقدم من المترفين الهالكين لا يخاطبون ، فلا يقول إلا الموجودون ، وقوله: ) وَمَا أَمْوالُكُمْ وَلاَ أَوْلَادُكُمْ ( ؛ واحتجوا على رضا الله عنهم بإحسانه تعالى إليهم ، فلو يتكرم عليهم ما بوسع علينا ، وأما أنتم فلهو انكم عليه حرمكم أيها التابعون للرسل . ثم نقول: إن يعذبوا نفيًا عامًا ، لأن الأنبياء قد ينذرون بعذاب عاجل في الدنيا ، أو آجل في الآخرة ، فنفواهم جميع ذلك . فإما أن يكونوا منكرين للآخرة ، فقد نفوا تعذيبهم فيها ، لأنها إذ لم تكن ، فلا يكون فيها عذاب . وإما أن يكونوا مقرين بها حقيقة ، أو على سبيل الفرض ، فيقولون: كما أنعم علينا في الدنيا ، ينعم علينا في الآخرة على حالة الدنيا قياسًا فاسدًا ، فأبطل الله ذلك بأن الرزق فضل منه يقسم علينا في الآخرة على حالة الدنيا ، كما شاء . ) لِمَن يَشَاء ( ، فقد بوسع على العاصي ويضيق على الطائع ، وقد يوسع عليهما ، والوجود شاهد بذلك ، فلا تقاس التوسعة في الدنيا ، لأن ذلك في الآخرة إنما هو على الأعمال الصالحة . وقرأ الأعمش: ويقدر في الموضعين مشددًا ؛ والجمهور: مخففًا ، ومعناه: ويضيق مقابل يبسط .

( وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ (: مثل هؤلاء الكفرة ، ( لاَّ يَعْلَمُونَ( أن الرزق مصروف بالمشيئة ، وليس دليلًا على الرضا ثم أخبر تعالى أن أموالهم وأولادهم التي افتخروا بها ليست بمقربة من الله ، وإنما يقرب الإيمان والعمل الصالح . وقرأ الجمهور: ) بِالَّتِى ( ، وجمع التكسير من العقلاء وغيرهم يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة . وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون التي هي التقوى ، وهي المقربة عند الله زلفى وحدها ، أي ليست أموالكم تلك الموضوعة للتقريب . انتهى . فجعل التي نعتًا لموصوف محذوف وهي التقوى . انتهى ، ولا حاجة إلى تقدير هذا الموصوف . والظاهر أن التي راجع إلى الأموال والأولاد ، وقاله الفراء . وقال أيضًا ، هو والزجاج: حذف من الأول لدلالة الثاني عليه ، والتقدير: ) وَمَا أَمْوالُكُمْ وَلاَ أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى ). انتهى . ولا حاجة لتقدير هذا المحذوف ، إذ يصح أن يكون التي لمجموع الأموال والأولاد . وقرأ الحسن: باللاتي جمعًا ، وهو أيضًا راجع للأموال والأولاد . وقرى بالذي ، وزلفى مصدر ، كالقربى ، وانتصابه على المصدرية من المعنى ، أي يقربكم . وقرأ الضحاك: زلفا بفتح اللام وتنوين الفاء ، جمع زلفة ، وهي القربة .

( وَمَا أَمْوالُكُمْ وَلاَ(: الظاهر أنه استثناء منقطع ، وهو منصوب على الاستثناء ، أي لكن من آمن ؛ ) وَعَمِلَ صَالِحًَا ( ، فإيمانه وعمله يقربانه . وقال الزجاج: هو بدل من الكاف والميم في تقربكم ، وقال النحاس: وهذا غلط لأن الكاف والميم للمخاطب ، فلا يجوز البدل ، ولو جاز هذا الجاز: رأيتك زيدًا ؛ وقول أبي إسحاق هذا قول الفراء . انتهى . ومذهب الأخفش والكوفيين أنه يجوز أن يبدل من ضمير المخاطب والمتكلم ، لكن البدل في الآية لا يصح . ألا ترى أنه لا يصح تفرغ الفعل الواقع صلة لما بعد إلا ؟ لو قلت: مازيد بالذي يضرب إلا خالدًا ، لم يصح . وتخيل الزجاج أن الصلة ، وإن كانت من حيث المعنى منفية ، أنه يصح البدل ، وليس بجائز إلا فيما يصح التفريغ له . وقد اتبعه الزمخشري فقال: إلا من آمن استثناء من كم في تقربكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت