فهرس الكتاب

الصفحة 3472 من 4224

"صفحة رقم 286"

عجيب ، وليس على طريقة فهم العرب من مدلولات الألفاظ التي حملها ما حمل . والظاهر أن مثنى وما بعده من صفات الأجنحة ، وقيل: ) أُوْلِى أَجْنِحَةٍ ( معترض ، ( ومثنى( حال ، والعامل فعل محذوف يدل عليه ) بَعْدِهِ رُسُلًا ( ، أي يرسلون مثنى وثلاث ورباع . قيل: وإنما جعلهم أولي أجنحة ، لأنه لما جعلهم رسلًا ، جعل لهم أجنحة ليكون أسرع لنفاد الأمر وسرعة إنفاذ القضاء . فإن المسافة التي بين السماء والأرض لا تقطع بالأقدام إلا في سنين ، فجعلت لهم الأجنحة حتى ينالوا المكان البعيد في الوقت القريب كالطير .

( يَزِيدُ فِى الْخَلْقِ مَا يَشَاء (: تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب من خبر الملائكة أولي أجنحة ، أي ليس هذا ببدع في قدرة الله ، فإنه يزيد في خلقه ما يشاء ، والظاهر عموم الخلق . وقال الفراء: هذا في الأجنحة التي للملائكة ، أي يزيد في خلق الملائكة الأجنحة . وقالوا: في هذه الزيادة الخلق الحسن ، أو حسن الصوت ، أو حسن الخط ، أو لملاحة في العينين أو الأنف ، أو خفة الروح ، أو الحسن ، أو جعودة الشعر ، أو العقل ، أو العلم ، أو الصنعة ، أو العفة في الفقراء ، والحلاوة في الفم ، وهذه الأقوال على سبيل التمثيل لا الحصر . والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق ، وقد شرحوا هذه الزيادة بالأشياء المستحسنة ، وما يشاء عام لا يخص مستحسنًا دون غيره . وختم الآية بالقدرة على كل شيء يدل على ذلك ، والفتح والإرسال استعارة للإطلاق ، ( فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ ( مكان لا فاتح له ، والمعنى: أي شيء يطلب الله .

( مِن رَّحْمَةِ(: أي نعمة ورزق ، أو مطر ، أو صحة ، أو أمن ، أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط بعددها . وما روي عن المفسرين المتقدمين من تفسير رحمة بشيء معين فليس على الحصر منه ، إنما هو مثال . قال الزمخشري: وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام ، كأنه قال: من أية رحمة كانت سماوية أو أرضية ، فلا يقدر أحد على إمساكها وحبسها ، وأي شيء يمسك الله فلا أحد يقدر على إطلاقه . انتهى . والعموم مفهوم من اسم الشرط ومن رحمة لبيان ذلك العام من أي صنف هو ، وهو مما اجتزىء فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم الشرط ، وتقديره: من الرحمات ، ومن في موضع الحال ، أي كائنًا من الرحمات ، ولا يكون في موضع الصفة ، لأن اسم الشرط لا يوصف . والظاهر أن قوله: ) وَمَا يُمْسِكْ ( عام في الرحمة وفي غيرها ، لأنه لم يذكر له تبيين ، فهو باق على العموم في كل ما يمسك . فإن كان تفسيره ) مِن رَّحْمَةِ ( ، وحذفت لدلالة الأول عليه ، فيكون تذكير الضمير في ) فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ( حملًا على لفظ ما ، وأنث في ) مُمْسِكَ لَهَا ( على معنى ما ، لأن معناها الرحمة . وقرىء: فلا مرسل لها ، بتأنيث الضمير ، وهو دليل على أن التفسير هو ) مِن رَّحْمَةِ ( ، وحذف لدلالة ما قبله عليه . وعن ابن عباس: ) مِن رَّحْمَةِ (: من باب توبة ، ( فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا (: أي يتوبون إن شاؤوا وإن أبوا ، ( وَمَا يُمْسِكْ (: من باب ، ( فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ( من بعده ، فهم لا يتوبون . وعنه أيضًا: ) مِن رَّحْمَةِ (: من هداية . قال الزمخشري: فإن قلت: فما تقول فيمن فسر الرحمة بالتوبة وعزاه إلى ابن عباس ؟ قلت: أراد بالتوبة: الهداية لها والتوفيق فيها ، وهو الذي أراده ابن عباس ، إن قاله فمقبول ، وإن أراد أنه إن شاء أن يتوب العاصي تاب ، وإن لم يشأ لم يتب فمردود ، لأن الله تعالى يشاء التوبة أبدًا ، ولا يجوز عليه أن لا يشاء بها . انتهى ، وهو على طريقة الاعتزال . ) مِن بَعْدِهِ (: هو على حذف مضاف ، أي من بعد إمساكه ، كقوله: ) فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ( ، أي من بعد إضلال الله إياه ، لأن قبله وأضله الله على علم ، كقوله: ) وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ( ، وقدره الزمخشري من بعد هداية الله ، وهو تقدير فاسد لا يناسب الآية ، جرى فيه على طريقة الاعتزال . ) وَهُوَ الْعَزِيزُ ( الغالب القادر على الإرسال والإمساك ، ( الْحَكِيمُ ( الذي يرسل ويمسك ما اقتضته حكمته .

( يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ(: خطاب لقريش ، وهو متجه لكل مؤمن وكافر ، ولا سيما من عبد غير الله ، وذكرهم بنعمه في إيجادهم . و ) اذْكُرُواْ (: ليس أمرًا بذكر اللسان ، ولكن به وبالقلب وبحفظ النعمة من كفرانها وشكرها ، كقولك لمن أنعمت عليه: اذكر أياديّ عندك ، تريد حفظها وشكرها ، والجميع مغمورون في نعمة الله . فالخطاب عام اللفظ ، وإن كان نزل ذلك بسبب قريش ، ثم استفهم على جهة التقرير . ) هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ (: أي فلا إله إلا الخالق ، ما تعبدون أنتم من الأصنام . وقرأ ابن وثاب ، وشقيق ، وأبو جعفر ، وزيد بن علي ، وحمزة ، والكسائي: غير بالخفض ، نعتًا على اللفظ ، ( وَمِنْ خَالِق (:( سقط: مبتدأ )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت