"صفحة رقم 338"
وثني في ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ( ، باعتبار مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما . وقال ابن عطية: أراد تعالى مشارق الشمس ومغاربها ، وهي مائة وثمانون في السنة ، فيما يزعمون ، من أطول أيام السنة إلى أقصرها .
ثم أخبر تعالى عن قدرته بتزيين السماء بالكواكب ، وانتظام التزيين أن جعلها حفظًا وحذرًا من الشيطان . انتهى . والزينة مصدر كالسنة ، واسم لما يزان به الشيء ، كالليقة اسم لما يلاق به الدواة . وقرأ الجمهور: )بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ ( بالإضافة ، فاحتمل المصدر مضافًا للفاعل ، أي بأن زانت السماء الكواكب ، ومضافًا للمفعول ، أي بأن زين الله الكواكب . واحتمل أن يكون ما يزان به ، والكواكب بيان للزينة ، لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به ، أو مما زينت الكواكب من إضاءتها وثبوتها . وقرأ ابن مسعود ، ومسروق: بخلاف عنه ؛ وأبو زرعة ، وابن وثاب ، وطلحة: بزينة منونًا ، الكواكب بالخفض بدلًا من زينة . وقرأ ابن وثاب ، ومسروق: بخلاف عنهما ؛ والأعمش ، وطلحة ، وأبو بكر: بزينه منونًا ، الكواكب نصبًا ، فاحتمل أن يكون بزينة مصدرًا ، والكواكب مفعول به ، كقوله: ) أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ). واحتمل أن يكون الكواكب بدلًا من السماء ، أي زينا كواكب السماء . وقرأ زيد بن علي بتنوين زينة ، ورفع الكواكب على خبر مبتدأ ، أي هو الكواكب ، أو على الفاعلية بالمصدر ، أي بأن زينت الكواكب . ورفع الفاعل بالمصدر المنون ، زعم الفراء أنه ليس بمسموع ، وأجاز البصريون ذلك على قلة . وقال ابن عباس: ) بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (: بضوء الكواكب ؛ قيل: ويجوز أن يراد أشكالها المختلفة ، كشكل الثريا ، وبنات نعش ، والجوزاء ، وغير ذلك ، ومطالعها ومسايرها . وخص ) السَّمَاء الدُّنْيَا ( بالذكر ، لأنها التي تشاهد بالأبصار ؛ والحفظ من الشياطين ، إنما هو فيها وحدها . وانتصب ) وَحِفْظًا ( على المصدر ، أي وحفظناها حفظًا ، أو على المفعول من أجله على زيادة الواو ، أو على تأخير العامل ، أي ولحفظها زيناها بالكواكب ، وحملًا على معنى ما تقدم ، لأن المعنى: إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظًا: وكل هذه الأقوال منقولة ، والمارد تقدم شرحه في قوله: ) شَيْطَانًا مَّرِيدًا ( في النساء ، وهناك جاء ) مَّرِيدًا ( ، وهنا ) مَّارِدٍ ( ، مراعاة للفواصل .
( لاَّ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الاْعْلَى(: كلام منقطع مبتدأ اقتصاصًا لما عليه حال المسترقة للسمع ، وأنهم لا يقدرون أن يستمعوا أو يسمعوا ، وهم مقذوفون بالشهب مبعدون عن ذلك ، إلا من أمهل حتى خطف الخطفة واسترق استراقة ، فعندها تعاجله الملائكة باتباع الشهاب الثاقب . ولا يجوز أن يكون لا يسمعون صفة ولا استئنافًا جوابًا لسائل سأل لم يحفظ من الشياطين ، لأن الوصف كونهم لا يسمعون ، أو الجواب لا معنى للحفظ من الشياطين على تقديرهما ، إذ يصير المعنى مع الوصف: وحفظًا من كل شيطان مارد غير سامع أو مسمع ، وكذلك لا يستقيم مع كونه جوابًا . وقول من قال: إن الأصل لأن لا يسمعوا ، فحذفت اللام وإن ، فارتفع الفعل ، قول متعسف يصان كلام الله عنه . وقرأ الجمهور: لا يسمعون: نفي سماعهم ، وإن كانوا يسمعون بقوله: ) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ( ، وعداه بإلى لتضمنه معنى الإصغاء . وقرأ ابن عباس بخلاف عنه ؛ وابن وثاب ، وعبد الله بن مسلم ، وطلحة ، والأعمش ، وحمزة ، والكسائي ، وحفص: بشد السين والميم بمعنى لا يتسمعون ، أدغمت التاء في السين ، وتقتضي نفي التسمع . وظاهر الأحاديث أنهم يتسمعون حتى الآن ، لكنهم لا يسمعون ؛ وإن سمع أحد منهم شيئًا لم يفلت حرسًا وشهبًا من وقت بعثة رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) . وكان الرجم في الجاهلية أحق ، فأما كانت ثمرة التسمع هو السمع ، وقد انتفى السمع بنفي التسمع في هذه القراءة لانتفاء ثمرته ، وهو السمع . و ) الْمَلإِ الاْعْلَى ( يعم الملائكة ، والإنس والجن هم الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض . وقال ابن عباس: هم أشراف الملائكة ، وعنه كتابهم .
( وَيَقْذِفُونَ (: يرمون ويرجمون ، ( مِن كُلّ جَانِبٍ (: أي من كل جهة يصعدون إلى السماء منها ، والمرجوم بها هي التي يراها الناس تنقض ، وليست بالكواكب الجارية في السماء ، لأن تلك لا ترى حركتها ، وهذه الراجمة ترى حركتها لقربها منا ، قاله مكي والنقاش . وقرأ محبوب عن ابن عمرو ويقذفون مبنيًا للفاعل ، ودحورًا مصدر في موضع الحال . قال مجاهد: مطرودين ، أو مفعول من أجله ، أي ولو يقذفون للطرد ، أو مصدر ليقذفون ، لأنه متضمن معنى الطرد ، أي ويدحرون من كل جانب دحورًا