فهرس الكتاب
"صفحة رقم 342"
في بدر: ) نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ). وقرىء: لا تناصرون ، بتاء واحدة وبتاءين ، وبإدغام إحداهما في الأخرى .
( بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ(: أي قد أسلم بعضهم بعضًا ، وخذله عن عجز ، وكل واحد منهم مستسلم غير منتصر . ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ ( ، قال قتادة: هم جن وإنس ، وتساؤلهم على معنى التقريع والندم والسخط . قالوا: أي قالت الإنس للجن . قال مجاهد ، وابن زيد: أو ضعفة الإنس الكفرة لكبرائهم وقادتهم . و ) الْيَمِينِ (: الجارحة ، وليست مرادة هنا . فقيل: استعيرت لجهة الخير ، أو للقوة والشدة ، أو لجهة الشهوات ، أو لجهة التمويه والإغواء وإظهار أنها رشد ، أو الحلف . ولكل من هذه الاستعارات وجه .
فأما استعارتها لجهة الخير ، فلان الجارحة أشرف العضوين وأيمنها ، وكانوا يتمنون بها حتى في السانح ، ويصافحون ويماسخون ويناولون ويزاولون بها أكثر الأمور ، ويباشرون بها أفاضل الأشياء ، وجعلت لكاتب الحسنات ، ولأخذ المؤمن كتابه بها ، والشمال بخلاف ذلك . وأما استعارتها للقوة والشدة ، فإنها يقع بها البطش ، فالمعنى: أنكم تعروننا بقوتكم وتحملوننا على طريق الضلال . وأما استعارتها لجهة الشهوات ، فلأن جهة اليمين هي الجهة الثقيلة من الإنسان وفيها كبده ، وجهة شماله فيها قلبه ومكره ، وهي أخف ، والمنهزم يرجع على شقه الأيسر ، إذ هو أخف شقيه . وأما استعارتها لجهة التمويه والإغواء ، فكأنهم شبهوا أقوال المغوين بالسوانح التي هي عندهم محمودة ، كأن التمويه في إغوائهم أظهر ما يحمدونه . وأما الحلف ، فإنهم يحلفون لهم ويأتونهم إتيان المقسمين على حسن ما يتبعونهم فيه .
( قَالُواْ( ، أي المخاطبون ، إما الجن وإما قادة الكفر: ) بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ (: أي لم نقركم على الكفر ، بل أنتم من ذواتكم أبيتم الإيمان . وقال الزمخشري: وأعرضتم مع تمكنكم واختباركم ، بل كنتم قومًا على الكفر غير ملجئين ، وما كان لنا عليكم من تسلط نسلبكم به تمكنكم واختباركم ، بل كنتم قومًا مختارين الطغيان . انتهى . ولفظة التمكن والاختيار ألفاظ المعتزلة جريًا على مذهبهم . ) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَا (: أي لزمنا قول ربنا ، أي وعيده لنا بالعذاب . والظاهر أن قوله: ) إِنَّا لَذَائِقُونَ ( ، إخبار منهم أنهم ذائقون العذاب جميعهم ، الرؤساء ، والأتباع . وقال الزمخشري: فلزمنا قول ربنا: ) إِنَّا لَذَائِقُونَ( ، يعني وعيد الله بأنا ذائقون لعذابه لا محالة ، لعلمه بحالنا واستحقاقنا بها العقوبة . ولو حكى الوعيد كما هو لقال: إنكم لذائقون ، ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم ، لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم ، ونحوه قول القائل:
لقد زعمت هوازن قل مالي
ولو حكى قولها لقال: قل مالك ، ومنه قول المحلف للحالف: لأخرجن ، ولنخرجن الهمزة لحكاية لفظ الحالف ، والتاء لإقبال المحلف على الحلف . انتهى . )فَأَغْوَيْنَاكُمْ (: دعوناكم إلى الغي ، فكانت فيكم قابلية له فغويتم . ) إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (: فأردنا أن تشاركونا في الغي . ) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِى الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (: أي يوم إذ تساؤلوا وتراجعوا في القول ، وهذا إخبار منه تعالى ، كما اشتركوا في الغي ، اشتركوا فيما ترتب عليه من العذاب . ) إِنَّا كَذَلِكَ (: أي مثل هذا الفعل بهؤلاء نفعل بكل مجرم ، فيترتب على إجرامه عذابه . ثم أخبر عنهم بأكبر إجرامهم ، وهو الشرك بالله ، واستكبارهم عن توحيده ، وإفراده بالآلهية . ثم ذكر عنهم ما قدحوا به في الرسول ، وهو نسبته إلى الشعر والجنون ، وأنهم ليسوا بتاركي آلهتهم له ولما جاء به ، فجمعوا بين