"صفحة رقم 374"
أنت تصبر ، ويؤول أمرك إلى أحسن مآل ، وتبلغ ما تريد من إقامة دينك وإماتة الضلال . وقيل: ) اصْبِر عَلَى مَا يَقُولُونَ ( ، وعظم أمر مخالفتهم لله في أعينهم ، وذكرهم بقصة داود وما عرض له ، وهو قد أوتي النبوة والملك ، فما الظن بكم مع كفركم وعصيانكم ؟ انتهى . وهو ملتقط من كلام الزمخشري مع تغيير بعض ألفاظه لا تناسب منصب النبة . وقيل: أمر بالصبر ، فذكر قصص الأنبياء ليكون برهانًا على صحة نبوته . وقيل: ) اصْبِر عَلَى مَا يَقُولُونَ ( ، وحافظ على ما كلفت به من مصابرتهم ، وتحمل أذاهم ، واذكر داود وكرامته على الله ، وما عرض له ، ومالقي من عتب الله . ) ذَا الاْيْدِ (: أي ذا القوة في الدين والشرع والصدع بأمر الله والطاعة لله ، وكان من ذلك قويًا في بدنه . والآوّاب: الرجّاع إلى طاعة الله ، قاله مجاهد وابن زيد . وقال السدي: المسبح . ووصفه بأنه أوأب يد على أن ذا الأيد معناه: القوة في الدين . ويقال: رجل أيد وأيد وذو أد وأياد: كل بمعنى ما يتقوى . و ) الإشراق (: وقت الإشراق . قال ثعلب: شرقت الشمس ، إذا طلعت ؛ وأشرقت: إذا أضاءت وصفت . وفي الحديث ، أنه عليه السلام ، صلى صلاة الضحى وقال:( يا أم هانىء ، هذه صلاة الإشراق ، وفي هذين الوقتين كانت صلاة بني إسرائيل ) . وتقدّم كل الكلام في تسبيح الجبال في قصة داود في سورة الأنبياء ، وأتى بالمضارع باسم الفاعل دلالة على حدوث التسبيح شيئًا بعد شيء ، وحالًا بعد حال ؛ فكأن السامع محاضر تلك الجبال سمعها تسبح . ومثله قول الأعشى: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة إلى ضوء نار في بقاع تحرق
أي: تحرق شيئًا فشيئًا . ولو قال محرقة ، لم يدل على هذا المعنى . وقرأ الجمهور: ) وَالإشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً( ، بنصبهما ، عطفًا على الجبال يسبحن ، عطف مفعول على مفعول ، وحال على حال ، كقولك: ضربت هندًا مجردة ، ودعدًا لابسة . وقرأ ابن أبي عبلة ، والجحدري: والطير محشورة ، برفعهما ، مبتدأ وخبر ، أو جاء محشورة باسم المفعول ، لأنه لم يرد أنها تحشر شيئًا ، إذ حاشرها هو الله تعالى ، فحشرها جملة واحدة أدل على القدرة . والظاهر عود الضمير في له على داود ، أي كل واحد من الجبل والطير لأجل داود ، أي لأجل تسبيحه . سبح لأنها كانت ترجع تسبيحه ، ووضع الأواب موضع المسبح . وقيل: الضمير عائد على الله ، أي كل من داود والجبال والطير أواب ، أي مسبح مرجع للتسبيح .
وقرأ الجمهور: )وَشَدَدْنَا ( ، مخففًا: أي قوينا ، كقوله: ) سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ). والحسن ، وابن أبي عبلة: بشد الدال ، وهي عبارة شاملة لما وهبه الله تعالى من قوة وجند ونعمة ، فالتخصيص ببعض الأشياء لا يظهر . وقال السدي: بالجنود . قيل: كان يبيت حول محرابه أربعون ألف مسلم يحرسونه ، وهذا بعيد في العادة ؛ وقيل: بهيبة قذفها الله له في قلوب قومه . و ) الْحِكْمَةَ ( هنا: النبوة ، أو الزبور ، أو الفهم في الدين ، أو كل كلام ، ولقن الحق أقوال . ) وَفَصْلَ الْخِطَابِ ( ، قال علي والشعبي: إيجاب اليمين على المدعى عليه ، والبينة على المدعي . وقال ابن عباس ، ومجاهد ، والسدي: القضاء بين الناس بالحق وإصابته وفهمه . وقال الشعبي: كلمة أما بعد ، لأنه أول من تكلم بها وفصل بين كلامين . قال الزمخشري: لأنه يفتتح إذا تكلم في الأمر الذي له شأن بذكر الله وتحميده ، فإذا أراد أن يخرج إلى الغرض المسوق إليه ، فصل بينه وبين ذكر الله بقوله: أما بعد . ويجوز أن يراد بالخطاب: القصد الذي ليس له فيه اختصار مخل ، ولا إشباع ممل ؛ ومنه ما جاء في صفة كلام رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) )