فهرس الكتاب

الصفحة 3571 من 4224

"صفحة رقم 384"

أن أيوب كانت منه طاعة للشيطان فيما وسوس به ، وأن ذلك كان سببًا لما مسه الله به من النصب والعذاب ، ولا أن رجلًا استغاثه على ظالم فلم يغثه ، ولا أنه داهن كافرًا ، ولا أنه أعجب بكثرة ماله . وكذلك ما رووا أن الشيطان سلطه الله عليه حتى أذهب أهله وماله لا يمكن أن يصح ، ولا قدرة له على البشر إلا بإلقاء الوساوس الفاسدة لغير المعصوم . والذي نقوله: أنه تعالى ابتلى أيوب عليه السلام في جسده وأهله وماله ، على ما روي في الأخبار . وروى أنس عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، أن أيوب بقي في محنته ثماني عشرة سنة يتساقط لحمه حتى مله العالم ، ولم يصبر عليه إلا امرأته ، ولم يبين لنا توالي السبب المقتضي لعلته . وأما إسناده المس إلى الشيطان ، فسبب ذلك أنه كان يعوده ثلاث من المؤمنين ، فارتد أحدهم ، فسأل عنه فقيل: ألقى إليه الشيطان أن الله لا يبتلي الأنبياء والصالحين ، فحينئذ قال: ) مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ( ، نزل لشفقته على المؤمنين .

مس الشيطان ذلك المؤمن حتى ارتد منزلة مسه لنفسه ، لأن المؤمن الخير يتألم برجوع المؤمن الخير إلى الكفر ؛ ولذلك جاء بعده: )ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ( ، حتى يغتسل ويذهب عنه البلاء ، فلا يرتد أحد من المؤمنين بسبب طول بلائه ، وتسويل الشيطان أنه تعالى لا يبتلي الأنبياء . وقيل: أشار بقوله: ) مَسَّنِىَ الشَّيْطَانُ ( إلى تعريضه لامرأته ، وطلبه أن تشرك بالله ، وكأنه بتشكي هذا الأمر كان عليه أشدّ من مرضه . وقرأ الجمهور: ) بِنُصْبٍ( ، بضم النون وسكون الصاد ، قيل: جمع نصب ، كوثن ووثن ؛ وأبو جعفر ، وشيبة ، وأبو عمارة عن حفص ، والجعفي عن أبي بكر ، وأبو معاذ عن نافع: بضمتين ، وزيد بن علي ، والحسن ، والسدّي ؛ وابن عبلة ، ويعقوب ، والجحدري: بفتحتين ؛ وأبو حيوة ، ويعقوب في رواية ، وهبيرة عن حفص: بفتح النون وسكون الصاد . وقال الزمخشري: النصب والنصب ، كالرشد والرشد ، والنصب على أصل المصدر ، والنصب تثقيل نصب ، والمعنى واحد ، وهو التعب والمشقة . والعذاب: الألم ، يريد مرضه وما كان يقاسي فيه من أنواع الوصب . انتهى .

وقال ابن عطية: وقد ذكر هذه القراءات ، وذلك كل بمعنى واحد معناه المشقة ، وكثيرًا ما يستعمل النصب في مشقة الإعياء . وفرق بعض الناس بين هذه الألفاظ ، والصواب أنها لغات بمعنى من قولهم: أنصبني الأمر ، إذا شق عليّ انتهى . وقال السدّي: بنصب في الجسد وعذاب في المال ، وفي الكلام حذف تقديره: فاستجبنا له وقلنا: )ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ( ، فركض ، فنبعت عين ، فقلنا له: ) هَاذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ( فيه شقاؤك ، فاغتسل فبرأ ، ( وَوَهَبْنَا لَهُ( ، ويدل على هذه المحذوفات معنى الكلام وسياقه . وتقدم الكلام في الركض في سورة الأنبياء . وعن قتادة والحسن ومقاتل: كان ذلك بأرض الجابية من الشأم .

ومعنى )هَاذَا مُغْتَسَلٌ (: أي ما يغتسل به ، ( وَشَرَابٌ( ، أي ما تشربه ، فباغتسالك يبرأ ظاهرك ، وبشربك يبرأ باطنك . والظاهر أن المشار إليه كان واحدًا ، والعين التي نبعت له عينان ، شرب من إحداهما واغتسل من الأخرى . وقيل: ضرب برجله اليمنى ، فنبعت عين حارة فاغتسل . وباليسرى ، فنبعت باردة فشرب منها ، وهذا مخالف لظاهر قوله: ) مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ( ، فإنه يدل على أنه ماء واحد . وقيل: أمر بالركض بالرجل ، ليتناثر عنه كل داء بجسده . وقال القتبي: المغتسل: الماء الذي يغتسل به . وقال مقاتل: هو الموضع الذي يغتسل فيه . وقال الحسن: ركض برجله ، فنبعت عين ماء ، فاغتسل منها ، ثم مشى نحوًا من أربعين ذراعًا ، ثم ركض برجله ، فنبعت عين ، فشرب منها . قيل: والجمهور على أنه ركض ركضتين ، فنبعت له عينان ، شرب من إحداهما ، واغتسل من الأخرى . والجمهور: على أنه تعالى أحيا له من مات من أهله ، وعافى المرضى ، وجمع عليه من شتت منهم . وقيل: رزقه أولادًا وذرية قدر ذريته الذين هلكوا ، ولم يردّ أهله الذين هلكوا بأعيانهم ، وظاهر هذه الهيئة أنها في الدنيا . وقيل ذلك وعد ، وتكون تلك الهيئة في الآخرة . وقيل: وهبه من كان حيًا منهم ، وعافاه من الأسقام ، وأرغد لهم العيش ، فتناسلوا حتى تضاعف عددهم وصار مثلهم .

و )رَحْمَةً ( ، ( وَذِكْرَى (: مفعولان لهما ، أي أن الهبة كانت لرحمتنا إياه ، وليتذكر أرباب العقول ، وما يحصل للصابرين من الخير ، وما يؤول إليه من الأجر . وفي الكلام حذف تقديره: وكان حلف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت