"صفحة رقم 431"
قال: فملك بدل من عمرو ، بدل نكرة من معرفة ، قال: فإن قلت: لم لا يكون بدلًا من ابن أم أناس ؟ قلت: لأنه قد أبدل منه عمرو ، فلا يجوز أن يبدل منه مرة أخرى ، لأنه قد طر . انتهى . فدل هذا على أن البدل لا يتكرر ، ويتحد المبدل منه ؛ ودل على أن البدل من البدل جائز ، وقوله: جاءت تفاعيلها ، هو جمع تفعال أو تفعول أو تفعول أو تفعيل ، وليس شيء من هذه الأوزان يكون معدولًا في آخر العروض ، بل أجزاؤها منحصرة ، ليس منها شيء من هذه الأوزان ، فصوابه أن يقول: جاءت أجزاؤها كلها على مستفعلين . وقال سيبويه أيضًا: ولقائل أن يقول هي صفات ، وإنما حذفت الألف واللام من شديد العقاب ليزاوج ما قبله وما بعده لفظًا ، فقد غيروا كثيرًا من كلامهم عن قوانينه لأجل الازدواج ، حتى قالوا: ما يعرف سحادليه من عنادليه ، فثنوا ما هو وتر لأجل ما هو شفع . على أن الخليل قال في قولهم: لا يحسن بالرجل مثلك أن يفعل ذلك ، ويحسن بالرجل خير منك أن يفعل ، على نية الألف واللام ، كما كان الجماء الغفير على نية طرح الألف واللام . ومما يسهل ذلك أمن اللبس وجهالة الموصوف . انتهى . ولا ضرورة إلى اعتقاد حذف الألف واللام من شديد العقاب ، وترك ما هو أصل في النحو ، وتشبيه بنادر مغير عن القوانين من تثنية الوتر للشفع ، وينزه كتاب الله عن ذلك كله .
وقال الزمخشري: ويجوز أن يقال قد تعمد تنكيره وإبهامه للدلالة على فرط الشدة ، وعلى ما لا شيء أدهى منه ، وأمر لزيادة الإنذار . ويجوز أن يقال هذه النكتة هي الداعية إلى اختيار البدل على الوصف إذا سلكت طريقة الإبدال . انتهى . وأجاز مكي في غافر وقابل البدل حملًا على أنهما نكرتان لاستقبالهما ، والوصف حملًا على أنهما معرفتان لمضيهما . وقال أبو عبد الله الرازي: لا تزاع في جعل غافر وقابل صفة ، وإنما كانا كذلك ، لأنهما يفيدان معنى الدوام والاستمرار ، وكذلك شديد العقاب تفيد ذلك ، لأن صفاته منزهة عن الحدوث والتجدد ، فمعناه: كونه بحيث شديد عقابه ، وهذا المعنى حاصل أبدًا ، لا يوصف بأنه حصل بعد أن لم يكن . انتهى . وهذا كلام من لم يقف على علم النحو ، ولا نظر فيه ، ويلزمه أن يكون حكيم عليم من قوله: ) مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ( ، ومليك مقتدر من قوله: ) عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ( ، معارف لتنزيه صفاته عن الحدوث والتجدد ، ولأنها صفات لم تحصل بعد أن لم تكن ، ويكون تعريف صفات بأل وتنكيرها سواء ، وهذا لا يذهب إليه مبتدىء في علم النحو ، فضلًا عمن صنف فيه ، وقدم على تفسير كتاب الله .
وتلخص من هذا الكلام المطوّل أن غافر الذنب وما عطف عليه وشديد العقاب أوصاف ، لأن المعطوف على الوصف وصف ، والجميع معارف على ما تقرر أو أبدال ، لأن المعطوف على البدل بدل لتنكير الجميع . أو غافر وقابل وصفان ، وشديد بدل لمعرفة ذينك وتنكير شديد . وقال الزمخشري: فإن قلت: ما بال الواو في قوله: )وَقَابِلِ التَّوْبِ ( ؟ قلت: فيها نكتة جليلة ، وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين ، بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات ، وأن يجعلها محاءة للذنوب ، كأن لم يذنب ، كأنه قال: جامع المغفرة والقبول . انتهى . وما أكثر تلمح هذا الرجل وشقشقته ، والذي أفاد أن الواو وللجمع ، وهذا معروف من ظاهر علم النحو . وقال صاحب الغنيان: وإنما عطف لاجتماعهما وتلازمهما وعدم انفكاك أحدهما عن الآخر ، وقطع شديد العقاب عنهما فلم يعطف لانفراده . انتهى ، وهي نزغة اعتزالية . ومذهب أهل السنة جواز غفران الله للعاصي ، وإن لم يتب إلا الشرك . والتوب يحتمل أن يكون كالذنب ، اسم جنس ؛ ويحتمل أن يكون جمع توبة ، كبشر وبشرة ، وساع وساعة . والظاهر من قوله: ) وَقَابِلِ التَّوْبِ( أن توبة العاصي بغير الكفر ، كتوبة العاصي بالكفر مقطوع بقبولها . وذكروا في القطع بقبول توبة العاصي قولين لاهل السنة .
ولما ذكر تعالى شدة عقابه أردفه بما يطمع في رحمته ، وهو قوله: )ذِى الطَّوْلِ ( ، فجاء ذلك وعيدًا اكتنفه وعدان . قال ابن عباس: الطول: السعة والغنى ؛ وقال قتادة: النعم ؛ وقال ابن زيد: القدرة ، وقوله: طوله ، تضعيف