فهرس الكتاب
"صفحة رقم 435"
تَدْعُونَ ( منصوب بالمقت الأول ، لأن المقت مصدر ، ومعموله من صلته ، ولا يجوز أن يخبر عنه إلا بعد استيفائه صلته ، وقد أخبر عنه بقوله: ) أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ( ، وهذا من ظواهر علم النحو التي لا تكاد تخفي على المبتدئين ، فضلًا عمي تدعي العجم أنه في العربية شيخ العرب والعجم .
ولما كان الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر ، لا يجوز قدرنا العامل فيه مضمر ، أي مقتكم إذ تدعون ، وشبيهة قوله تعالى: )إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ). قدروا العامل برجعه ) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ( للفصل ب ) لَقَادِرٌ ( بين المصدر ويوم . واختلاف زماني المقتين الأول في الدنيا والآخرة هو قول مجاهد وقتادة وابن يد والآكثرين . ) وتقدم ( ، لنا أن منهم من قال في الآخرة ، وهو قول الحسن . قال الزمخشري: وعن الحسن لما رأوا أعمالهم الخبيثة مقتوا أنفسهم فنودوا: ) يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ ). وقيل: معناه لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض ، كقوله تعالى: ) يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ( ، ( وَإِذْ تَدْعُونَ( تعليل . انتهى . وكان قوله: ) وَإِذْ تَدْعُونَ ( تعليل من كلام الزمخشري . وقال قوم: إذ تدعون معمول ، لا ذكر محذوفة ، ويتجه ذلك على أن يكون مقت الله إياهم في الآخرة ، على قول الحسن ، قيل لهم ذلك توبيخًا وتقريعًا وتنبيهًا على ما فاتهم من الإيمان والثواب . ويحتمل أن يكون قوله: من مقت أنفسكم ، أن كل واحد يمقت نفسه ، أو أن بعضكم يمقت بعضًا ، كما قيل: إن الأتباع يمقتون الرؤساء لما ورطوهم فيه من الكفر ، والرؤساء يمقتون الأتباع ، وقيل: يمقتون أنفسهم حين قال لهم الشيطان: ) فَلاَ تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ ( ، والمقت أشد البغض ، وهو مستحيل في حق الله تعالى ، فمعناه: الإنكار والزجر .
( قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ(: وجه اتصال هذه بما قبلها أنهم كانوا ينكرون البعث ، وعظم مقتهم أنفسهم هذا الإنكار ، فلما مقتوا أنفسهم ورأوا حزنًا طويلًا رجعوا إلى الإقرار بالبعث ، فأقروا أنه تعالى أماتهم اثنتين وأحياهم اثنتين تعظيمًا لقدرته وتوسلًا إلى رضاه ، ثم أطمعوا أنفسهم بالاعتراف بالذنوب أن يردوا إلى الدنيا ، أي إن رجعنا إلى الدنيا ودعينا للإيمان بادرنا ، إليه . وقال ابن عباس ، وقتادة ، والضحاك ، وأبو مالك: موتهم كوبهم ماء في الأصلاب ، ثم إحياؤهم في الدنيا ، ثم موتهم فيها ، ثم إحياؤهم يوم القيامة . وقال السدي: إحياؤهم في الدنيا ، ثم إماتتهم فيها ، ثم إحياؤهم في القبر لسؤال الملكين ، ثم إماتتهم فيه ، ثم إحياؤهم في الحشر . وقال ابن زيد: إحياؤهم نسمًا عند أخذ العهد عليهم من صلب آدم ، ثم إماتتهم بعد ، ثم إحياؤهم في الدنيا ، ثم إماتتهم ، ثم إحياؤهم ، فعلى هذا والذي قبله تكون ثلاثة إحياآت ، وهو خلاف القرآن . وقال محمد بن كعب: الكافر في الدنيا حي الجسد ، ميت القلب ، فاعتبرت الحالتان ، ثم إماتتهم حقيقة ، ثم إحياؤهم في البعث ، وتقدم الكلام في أول البقرة على الإماتتين والإحياءين في قوله: ) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْواتًا ( الآية ، وكررنا ذلك هنا لبعد ما بين الموضعين . قال الزمخشري: فإن قلت: كيف صح أن يسمي خلقهم أمواتًا إماتة ؟ قلت: كما صح: سبحان من صغر جسم البعوضة وكبر جسم الفيل ، وقولك للحفار ضيق فم ، الركية ووسع أسفلها ، وليس ثم نقل من كبر إلى صغر ، ولا من صغر إلى كبر ، ولا من ضيق إلى سعة ، ولا من سعة إلى ضيق ، وإنما أردت الإنشاء على تلك الصفات . والسبب في صحته أن الصغر والكبر جائزان معًا على المصنوع الواحد من غير ترجيح لأحدهما ، وكذلك الضيق والسعة ، فإذا اختار الصانع أحد الجائزين ، وهو متمكن منهما على السواء ، فقد صرف المصنوع إلى الجائز الآخر ، فجعل صرفه عنه كنقله منه . انتهى . يعني أن خلقهم أمواتًا ، كأنه نقل من الحياة وهو الجائز الآخر . وظاهر ) فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا ( أنه متسبب عن قبولهم .
( رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا( السابقة من إنكار البعث وغيره . ) فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ (: أي سريع أو بطيء من النار ، ( مّن سَبِيلٍ(: وهذا سؤال من يئس من الخروج ، ولكنه تعلل وتحير . ) ذالِكُمْ (: الظاهر أن الخطاب للكفار في الآخرة ،