"صفحة رقم 462"
لو نال حي من الدنيا بمنزلة
أفق السماء لنالت كفه الأفقا
)حم تَنزِيلٌ مّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصّلَتْ ءايَاتُهُ قُرْءانًا عَرَبِيًّا لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِىءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَاهُكُمْ إِلَاهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُواْ إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ الزَّكَواةَ وَهُمْ بِالاْخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الاْرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْواتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ).
هذه السورة مكية بلا خلاف ، ومناسبتها لما قبلها ، أنه قال في آخر ما قبلها: ) أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الاْرْضِ ( إلى آخرها ، فضمن وعيدًا وتهديدًا وتقريعًا لقريش ، فأتبع ذلك التقريع والتوبيخ والتهديد بتوبيخ آخر ، فذكر أنه نزل كتابًا مفصلًا آياته ، بشيرًا لمن اتبعه ، ونذيرًا لمن أعرض عنه ، وأن أكثر قريش أعرضوا عنه . ثم ذكر قدرة الإله على إيجاد العالم العلوي والسفلي . ثم قال: ) فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً ( ، فكان هذا كله مناسبًا لآخر سورة المؤمن من عدم انتفاع مكذبي الرسل حين التبس بهم العذاب ، وكذلك قريش حل بصناديدها من القتل والأسر والنهب والسبي ، واستئصال أعداء رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) ما حل بعاد وثمود من استئصالهم .
روي أن عتبة بن ربيعة ذهب إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ) ، ليعظم عليه أمر مخالفته لقومه ، وليقبح عليه فيما بينه وبينه ، وليبعد ما جاء به . فلما تكلم عتبة ، قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ): ) حم ( ، ومر في صدرها حتى انتهى إلى قوله: ) فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ( ، فأرعد الشيخ ووقف شعره ، فأمسك على فم رسول الله( صلى الله عليه وسلم ) ) بيده ، وناشده بالرحم أن يمسك ، وقال حين فارقه: والله لقد سمعت شيئًا ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة ، ولقد ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي . ) تَنزِيلَ ( ، رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي هذا تنزيل عند الفراء ، أو مبتدأ خبره ) كِتَابٌ فُصّلَتْ ( ، عند الزجاج والحوفي ، وخبر ) حم ( إذا كانت اسمًا للسورة ، وكتاب على قول الزجاج بدل من تنزيل . قيل: أو خبر بعد خبر . ) فُصّلَتْ ءايَاتُهُ ( ، قال السدي: بينت آياته ، أي فسرت معانيه ، ففصل بين حرامه وحلاله ، وزجره وأمره ، ووعده ووعيده . وقيل: فصلت في التنزيل: أي لم تنزل جملة واحدة . قال الحسن: بالوعد والوعيد . وقال سفيان: بالثواب والعقاب . وقال ابن زيد: بين محمد( صلى الله عليه وسلم ) ) ، ومن خالفه . وقيل: فصلت بالمواقف وأنواع ، أو آخر الآي ، ولم يكن يرجع إلى قافية ولا نحوها ، كالشعر والسجع .
وقال أبو عبد الله الرازي: ميزت آياته ، وجعل تفاصيل معان مختلفة ، فبعضها في وصف ذات الله تعالى ، وشرح صفات التنزيه والتقديس ، وشرح كمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته ، وعجائب أحوال خلقه السموات والكواكب ، وتعاقب الليل والنهار ، وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان ؛ وبعضها في أحوال التكاليف المتوجهة نحو القلب ونحو الجوارح ، وبعضها في الوعد والوعيد ، والثواب والعقاب ، ودرجات أهل الجنة ودركات أهل النار ؛ وبعضها في المواعظ والنصائح ؛ وبعضها في تهذيب الأخلاق ورياضة النفس ؛ وبعضها في قصص الأولين وتواريخ الماضين . وبالجملة ، فمن أنصف ، علم أنه ليس في بدء الخلق كتاب اجتمع فيه من العلوم والمباحث المتباينة مثل ما في القرآن . انتهى .
وقرىء: فصلت ، بفتح الفاء والصاد