فهرس الكتاب
"صفحة رقم 498"
فإن يهلك أبو قابوس يهلك
ربيع الناس والشهر الحرام
ونأخذ بعده بذناب عيش
أجب الظهر ليس له سنام
روي بنصب ونأخذ ورفعه وجزمه . وفي هذه القراءة يكون العطف على مصدر متوهم ، أي يقع إيباق وعفو عن كثير . وأما الجزم فإنه داخل في حكم جواب الشرط ، إذ هو معطوف عليه ، وهو راجع في المعنى إلى قراءة النصب ، لكن هذا عطف فعل على فعل ، وفي النصب عطف مصدر مقدر على مصدر متوهم . وقال القشيري: وقرىء: ) وَيَعْفُ ( بالجزم ، وفيها إشكال ، لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح ، فتبقى تلك السفن رواكد ، أو يهلكها بذنوب أهلها ، فلا يحسن عطف ويعف على هذه ، لأن المعنى: يعيران شيئًا يعف ، وليس المعنى ذلك ، بل المعنى: الإخبار عن الغيوب عن شرط المشيئة ، فهو إذن عطف على المجزوم من حيث اللفظ ، لا من حيث المعنى . وقد قرأ قوم: ويعفو بالرفع ، وهي جيدة في المعنى . انتهى ، وما قاله ليس بجيد ، إذ لم يفهم مدلول التركيب . والمعنى: أنه تعالى إن يشأ أهلك ناسًا وأنجى ناسًا على طريق العفو عنهم . وقال الزمخشري: فإن قلت: على م عطف يوبقهن ؟ قلت: على يسكن ، لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن ، أو يعصفها فيغرقن بعصفها . انتهى . ولا يتعين أن يكون التقدير: أو يعصفها فيغرقن ، لأن إهلاك السفن لا يتعين أن يكون بعصف الريح ، بل قد يهلكها تعالى بسبب غير الريح ، كنزول سطحها بكثرة الثقل ، أو انكسار اللوح يكون سببًا لإهلاكها ، أو يعرض عدو يهلك أهلها . وقرأ الأعرج ، وأبو جعفر ، وشيبة ، ونافع ، وابن عامر ، وزيد بن علي: ) وَيَعْلَمَ( بالرفع على القطع . وقرأ الجمهور: ويعلم بالنصب ؛ قال أبو علي وحسن: النصب إذا كان قبله شرط وجزاء ، وكل واحد منهما غير واجب . وقال الزجاج: على إضمار أن ، لأن قبلها جزاء . تقول: ما تصنع أصنع مثله ، وأكرمك ، وإن أشئت ، وأكرمك علي ، وأنا أكرمك ، وإن شئت ، وأكرمك جزمًا . قال الزمخشري: فيه نظر ، لما أورده سيبويه في كتابه قال: واعلم أن النصب بالفاء والواو في قوله: إن تأتني آتك وأعطيك ضعيف ، وهو نحو من قوله:
وألحق بالحجاز فاستريحا
فهذا لا يجوز ، وليس بحد الكلام ولا وجهه ، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلًا ، لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل . فلما ضارع الذي لا يوجبه ، كالاستفهام ونحوه ، أجازوا فيه هذا على ضعفه . قال الزمخشري: ولا يجوز أن تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحد الكلام ولا وجهه ، ولو كانت من هذا الباب ، لما أخلى سيبويه منها كتابه ، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة . انتهى . وخرج الزمخشري النصب على أنه معطوف على تعليل محذوف ، قال تقديره: )عَن كَثِيرٍ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ ( ، يكره في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ، ومنه قوله تعالى: ) وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ ( ، وقوله: ) خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ بِالْحَقّ ( ،( يَتَأَخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) . انتهى . ويبعد تقديره لينتقم منها ، لأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم ، فلا يحسن لينتقم منهم . وأما الآيتان فيمكن أن تكون اللام متعلقة بفعل محذوف ، أي ) وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ ( ،( يَتَأَخَّرَ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ) . فعلنا ذلك ، وكثيرًا ما يقدر هذا الفعل محذوفًا قبل لام العلة ، إذا لم يكن فعل ظاهر يتعلق به .
وذكر الزمخشري أن قوله تعالى: ) وَيَعْلَمَ ( قرىء بالجزم ، فإن قلت: فكيف يصح المعنى على جزم ويعلم ؟ قلت: كأنه قال: أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور: هلاك قوم ، ونجاة قوم ، وتحذير آخرين ، لأن قوله: ) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِىءايَاتِنَا مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ ( يتضمن تحذيرهم من عقاب