فهرس الكتاب

الصفحة 3878 من 4224

"صفحة رقم 188"

مورد تعديد النعم ، رد الكلام إلى العطف في وصل ما يناسب وصله ، والتناسب الذي بين هاتين الجملتين ظاهر ، لأن الشمس والقمر علويان ، والنجم والشجر سفليان .

الرحمن: ( 7 ) والسماء رفعها ووضع . . . . .

( وَالسَّمَاء رَفَعَهَا(: أي خلقها مرفوعة ، حيث جعلها مصدر قضاياه ومسكن ملائكته الذين ينزلون بالوحي على أنبيائه ، ونبه بذلك على عظم شأنه وملكه . وقرأ الجمهور: ) وَالسَّمَاء ( ، بالنصب على الاشتغال ، روعي مشاكلة الجملة التي تليه وهي ) يَسْجُدَانِ ). وقرأ أبو السمال: والسماء بالرفع ، راعى مشاكلة الجملة الابتدائية . وقرأ الجمهور: ) وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ( ، فعلًا ماضيًا ناصبًا الميزان ، أي أقره وأثبته . وقرأ إبراهيم: ووضع الميزان ، بالخفض وإسكان الضاد . والظاهر أنه كل ما يوزن به الأشياء وتعرف مقاديرها ، وإن اختلفت الآلات ، قال معناه ابن عباس والحسن وقتادة ، جعله تعالى حاكمًا بالسوية في الأخذ والإعطاء . وقال مجاهد والطبري والأكثرون: الميزان: العدل ، وتكون الآلات من بعض ما يندرج في العدل . بدأ أولًا بالعلم ، فذكر ما فيه أشرف أنواع العلوم وهو القرآن ؛ ثم ذكر ما به التعديل في الأمور ، وهو الميزان ، كقوله: ) وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ( ، ليعلموا الكتاب ويفعلوا ما يأمرهم به الكتاب .

الرحمن: ( 8 ) ألا تطغوا في . . . . .

( أَن لا تَطْغَوْاْ فِى الْمِيزَانِ(: أي لأن لا تطغوا ، فتطغوا منصوب بأن . وقال الزمخشري: أو هي أن المفسرة . وقال ابن عطية: ويحتمل أن تكون أن مفسرة ، فيكون تطغوا جزمًا بالنهي . انتهى ، ولا يجوز ما قالاه من أن أن مفسرة ، لأنه فات أحد شرطيها ، وهو أن يكون ما قبلها جملة فيها معنى القول . ) وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ( جملة ليس فيها معنى القول . والطغيان في الميزان هو أن يكون بالتعمد ، وأما مالا يقدر عليه من التحرير بالميزان فمعفو عنه .

الرحمن: ( 9 ) وأقيموا الوزن بالقسط . . . . .

ولما كانت التسوية مطلوبة جدًا ، أمر الله تعالى فقال: ) وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ ). وقرأ الجمهور: ) وَلاَ تُخْسِرُواْ ( ، من أخسر: أي أفسد ونقص ، كقوله: ) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ( ؛ أي ينقصون . وبلال بن أبي بردة وزيد بن علي: تخسر بفتح التاء ، يقال: خسر يخسر ، وأخسر يخسر بمعنى واحد ، كجبر وأجبر . وحكى ابن جني وصاحب اللوامح ، عن بلال: فتح التاء والسين مضارع خسر بكسر السين ، وخرجها الزمخشري على أن يكون التقدير: في الميزان ، فحذف الجار ونصب ، ولا يحتاج إلى هذا التخريج . ألا ترى أن خسر جاء متعديًا كقوله تعالى: ) خَسِرُواْ أَنفُسَهُم ( ، و ) خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةَ ( ؟ وقرىء أيضًا: تخسروا ، بفتح التاء وضم السين . لما منع من الزيادة ، وهي الطغيان ، نهى عن الخسران الذي هو نقصان ، وكرر لفظ الميزان ، تشديدًا للتوصية به وتقوية للأمر باستعماله والحث عليه .

الرحمن: ( 10 ) والأرض وضعها للأنام

ولما ذكر السماء ، ذكر مقابلتها فقال: ) وَالاْرْضَ وَضَعَهَا لِلاْنَامِ (: أي خفضها مدحوة على الماء لينتفع بها . وقرأ الجمهور: والأرض بالنصب ؛ وأبو السمال: بالرفع . والأنام ، قال ابن عباس: بنو آدم فقط . وقال أيضًا هو وقتادة وابن زيد والشعبي: الحيوان كله . وقال الحسن: الثقلان ، الجن والإنس .

الرحمن: ( 11 ) فيها فاكهة والنخل . . . . .

( فِيهَا فَاكِهَةٌ(: ضروب مما يتفكه به . وبدأ بقوله: ) فَاكِهَةٍ ( ، إذ هو من باب الابتداء بالأدنى والترقي إلى الأعلى ، ونكر لفظها ، لأن الانتفاع بها دون الانتفاع بما يذكر بعدها . ثم ثنى بالنخل ، فذكر الأصل ولم يذكر ثمرتها ، وهو الثمر لكثرة الانتفاع بها من ليف وسعف وجريد وجذوع وجمار وثمر .

الرحمن: ( 12 ) والحب ذو العصف . . . . .

ثم أتى ثالثًا بالحب الذي هو قوام عيش الإنسان في أكثر الأقاليم ، وهو البر والشعير وكل ما له سنبل وأوراق متشعبة على ساقه ، ووصفه بقوله: ) ذُو الْعَصْفِ( تنبيهًا على إنعامه عليهم بما يقوتهم من الحب ، ويقوت بهائمهم من ورقه الذي هو التبن . وبدأ بالفاكهة وختم بالمشموم ، وبينهما النخل والحب ، ليحصل ما به يتفكه ، وما به يتقوت ، وما به تقع اللذاذة من الرائحة الطيبة . وذكر النخل باسمها ، والفاكهة دون شجرها ، لعظم المنفعة بالنخل من جهات متعددة ، وشجرة الفاكهة بالنسبة إلى ثمرتها حقيرة ، فنص على ما يعظم به الانتفاع من شجرة النخل ومن الفاكهة دون شجرتها .

وقرأ الجمهور: )وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ ( ، برفع الثلاثة عطفًا على المرفوع قبله ؛ وابن عامر وأبو حيوة وابن أبي عبلة: بنصب الثلاثة ، أي وخلق الحب . وجوزوا أن يكون ) وَالرَّيْحَانُ ( حالة الرفع وحالة النصب على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت