"صفحة رقم 203"
والعامل في إذا الفعل بعدها على ما قررناه في كتب النحو ، فهو في موضع خفض بإضافة إذا إليها احتاج إلى تقدير عامل ، إذ الظاهر أنه ليس ثم جواب ملفوظ به يعمل بها . فقال الزمخشري: فإن قلت: بم انتصب إذا ؟ قلت: بليس ، كقولك: يوم الجمعة ليس لي شغل ، أو بمحذوف يعني: إذا وقعت ، كان كيت وكيت ، أو بإضمار أذكر . انتهى .
أما نصبها بليس فلا يذهب نحوي ولا من شدا شيئًا من صناعة الإعراب إلى مثل هذا ، لأن ليس في النفي كما ، وما لا تعمل ، فكذلك ليس ، وذلك أن ليس مسلوبة الدلالة على الحدث والزمان . والقول بأنها فعل هو على سبيل المجاز ، لأن حد الفعل لا ينطبق عليها . والعامل في الظرف إنما هو ما يقع فيه من الحدث ، فإذا قلت: يوم الجمعة أقوم ، فالقيام واقع في يوم الجمعة ، وليس لا حدث لها ، فكيف يكون لها عمل في الظرف ؟ والمثال الذي شبه به ، وهو يوم القيامة ، ليس لي شغل ، لا يدل على أن يوم الجمعة منصوب بليس ، بل هو منصوب بالعامل في خبر ليس ، وهو الجار والمجرور ، فهو من تقديم معمول الخبر على ليس ، وتقديم ذلك مبني على جواز تقديم الخبر الذي لليس عليها ، وهو مختلف فيه ، ولم يسمع من لسان العرب: قائمًا ليس زيد . وليس إنما تدل على نفي الحكم الخبري عن الخبري عن المحكوم عليه فقط ، فهي كما ، ولكنه لما اتصلت بها ضمائر الرفع ، جعلها ناس فعلًا ، وهي في الحقيقة حرف نفي كما النافية .
ويظهر من تمثيل الزمخشري إذًا بقوله: يوم الجمعة ، أنه سلبها الدلالة على الشرط الذي هو غالب فيها ، ولو كانت شرطًا ، وكان الجواب الجملة المصدرة بليس ، لزمت الفاء ، إلا إن حذفت في شعر ، إذ ورد ذلك ، فنقول: إذا أحسن إليك زيد فلست تترك مكافأته . ولا يجوز لست بغير فاء ، إلا إن اضطر إلى ذلك . وأما تقديره: إذا وقعت كان كيت وكيت ، فيدل على أن إذا عنده شرطية ، ولذلك قدر لها جوابًا عاملًا فيها . وأما قوله: بإضمار اذكر ، فإنه سلبها الظرفية ، وجعلها مفعولًا بها منصوبة باذكر .
و ) كَاذِبَةٌ (: ظاهره أنه اسم فاعل من كذب ، وهو صفة لمحذوف ، فقدره الزمخشري: نفس كاذبة ، أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله ، وتكذب في تكذيب الغيب ، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة ، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات ، لقوله تعالى: ) فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ( ، ( لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الاْلِيمَ( ) وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ ( ، واللام مثلها في قوله: ) يَقُولُ يالَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى ( ، إذ ليس لها نفس تكذبها وتقول لها: لم تكذبي ، كما لها اليوم نفوس كثيرة يقلن لها: لم تكذبي ، أو هي من قولهم: كذبت فلانًا نفسه في الخطب العظيم ، إذا شجعته على مباشرته ، وقالت له: إنك تطيقه وما فوقه ، فتعرض له ولا تبال على معنى: أنها وقعة لا تطاق بشدة وفظاعة ، وأن لا نفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور ، وتزين له احتمالها وإطاقتها ، لأنهم يومئذ أضعف من ذلك وأذل . ألا ترى إلى قوله تعالى: ) كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ( ؟ والفراش مثل في الضعف . انتهى ، وهو تكثير وإسهاب . وقدره ابن عطية حال كاذبة ، قال: ويحتمل الكلام على هذا معنيين: أحدهما كاذبة ، أي مكذوب فيما أخبر به عنها ، فسماها كاذبة لهذا ، كما تقول: هذه قصة كاذبة ، أي مكذوب فيها . والثاني: حال كاذبة ، أي لا يمضي وقوعها ، كما تقول: فلان إذا حمل لم يكذب . وقال قتادة والحسن المعنى: ليس لها تكذيب ولا رد ولا منثوية ، فكاذبة على هذا مصدر ، كالعاقبة والعافية وخائنة الأعين . والجملة من قوله: ) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ( على ما قدّره الزمخشري من أن إذا معمولة لليس يكون ابتداء السورة ، إلا إن اعتقد أنها جواب لإذا ، أو منصوبة باذكر ، فلا يكون ابتداء كلام . وقال ابن عطية: في موضع الحال ، والذي يظهر لي أنها جملة اعتراض بين الشرط وجوابه .
الواقعة: ( 3 ) خافضة رافعة
وقرأ الجمهور: ) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ( برفعهما ، على تقدير هي ؛ وزيد بن علي والحسن وعيسى وأبو حيوة وابن أبي عبلة وابن مقسم والزعفراني واليزيدي في اختياره بنصبهما . قال ابن خالوية: قال الكسائي: لولا أن اليزيدي سبقني إليه لقرأت به ، ونصبهما على الحال . قال ابن عطية: بعد الحال التي هي ) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ( ، ولك أن تتابع الأحوال ، كما لك أن تتابع أخبار المبتدأ . والقراءة الأولى أشهر وأبدع معنى ، وذلك أن موقع الحال من الكلام موقع ما لو لم يذكر لاستغنى عنه ، وموقع الجمل التي يجزم الخبر بها موقع ما